اسماعيل ابراهيم عبد
التنصل عن الجذر في رواية (بنادق النبي لسالم حميد) يعطي للسرد احتمالات حدثية بلا نتائج , ويغيّب الذهنية الانسانية غايته أو احتماليته اللا متوقعة هي (خلق أرضية للتدمير النصي) بإزاء عمل يتخذ – اللغة – المدلول مرجعاً انثروبولوجيا متنصلاً من جذرية الأفكار الغيبية لتؤدي معنى النص المفتوح . يفترض في اشتغالنا هنا ان نحدد الآتي : أ ـ سرد الاحداث الاحتمالية تنشط هذه عند تعويم اللغة وتوجيهها نحو الشاعرية لا الشعرية الدلالية , مثالها المقطع الآتي :[كل الظروف مهيأة ليكون ذلك السائح الذي يبحث عن اشباح الأقدمين… وجه ابيض قد حمرته شموس البحر الميت … جديلة شقراء … جسد ممشوق القوام … ليس التعب او السهر من كان يقلقه , بل هو الخوف من انهيار خطة الهروب] ـ بنادق النبي , ص105.المقطع ليس فيه دلالات سردية , ولا يحتوي سوى لغة شاعرية ولولا جملة :(يقلقه الخوف من انهيار خطة الهروب) لما فهمنا ان المقطع مقول سردي .وهذه اللقطة وحدها من جعل السرد ينبئ باحتمالات حدثية ستعلن عنها الرواية لاحقاً . على هذا الاساس سيتصدر الحدث الاحتمالي الاشارةَ الى قدرٍ (ما) من صحة الفرض (لغة التعويم تؤدي وظيفة السرد الاحتمالي عموماً).
ب ـ فعل الوقائع الذهنية يعطل الروائي ـ أحياناً ـ الوقائع الحقيقية ويتفاعل مع الوقائع الذهنية دونما فعل سلوكي ,عدا ما ينتجه الفلاش باك من (صورة = جملة) , (احداث = جمل كثيرة) .لنتابع :[اتقن اسمر قيادة التراكتور وقيادة السيارة البيكب ـ لدى الفلاح الذي يعمل عنده ـ ,وهذا الشيء أعطى للفلاح حرية أكثر , وأعطى لأسمر شرعية تواجده بين افراد عائلة الفلاح ـ في سامراء ـ …كان المانوي في هذا الوقت قابعاً في نفس أسمر ويحادثه في بعض الأحيان ويهمس في نفسه :لا تنسَ الرسمَ .. لا تنسَ مخطوطة النبي ماني , اقرأ , تعلم أي شيء …] ـ بنادق النبي , ص167. ـ اتقن أسمر قيادة التراكتور وقيادة السيارة البيكب / صورة واحدة / تعادل جملة واحدة = دلالة مهنية واحدة,ليس فيها فعل بشري مباشر ,فهي عبارةعن جملة ذهنية. ـ (الاتقان) أعطى للفلاح حرية أكثر ,وأعطى لأسمر شرعية تواجده بين افراد عائلة الفلاح ـ في سامراء ـ …كان المانوي في هذا الوقت قابعاً في نفس أسمر ,ويحادثه في بعض الاحيان ويهمس في نفسه: لا تنسَ الرسمَ .. لا تنسَ مخطوطة النبي ماني, اقرأ ,تعلم أي شيء /احداث كثيرة/ تعادل (9) جمل = دلالات ذهنية ليس لها وقائع عملية. يلاحظ على الافعال انها حدثت دون ارادة الانسان , فكأنما تعطل الفعل الذهني وتحرك الفعل القدري ,وقد تكون هذه (اللا فعلية) مبرراً أو أساسياً لقاعدة قادمة هي(تذرية التدمير).
ج ـ تذرية التدمير التدمير هنا أرض للتذرية والتشتيت تُنشر عليها الأحداث دون ان تتصير وحدةً محددةً لوجودٍ ملموسٍ .والتدمير يعني ـ كذلك ـ مساحة متناثرة من الأفكار قد لاتجتمع بصورة واضحة ,انما تخدم ـ من بعيد ـ ذات الأهداف المنحازة إنسانياً.
[تبدو سنة 1976سنة طبيعية لمعظم الناس ,غير أن للمنجمين رأيا آخر…ومن يدري كيف تبدو الأُمور والاشياء لمخيلة بعضهم, فعندما تتداخل الأبراج ببعضها, وعندما تدخل العقرب الى برج الجوزاء يحدث ما يحدث..ربما تسرق شيئاً ما فيفقد الميزان توازنه, ويسقط أو يصاب في برج السرطان أو عندما يفترس الأسد الحمل وبرجه معاً ,قد يحدث أمر آخر,أن يثور الثور وينطح برج الدلو فيندلق منه شيء ما ..ربما مشاعر أناس أو حياة فئة من البشر, ومن لم يصدق هذه الأُمور فعليه ان لا يصدق كذلك, أن القمر هو من يُسبب ويَتَسَبب بظاهرة المد والجزر التي تحدث في البحار] ـ بنادق النبي, 141.يتضح ان الأحداث المتخيلة لن تقع أبداً وانها موزعة على هيئة تشتيت لا منتظم, لكن وظيفتها تديم مبدأ التدميرالمحاذي للبناء بقصد توزيع حجاج الصوغ الادبي على المساحات القادمة للرواية ,بمعنى ان وظيفة تذرية التدمير ترتب الجو الروائي لحال الانعتاق بالأفعال اللامحدودة التي ترى ملاذها في التخيل المطلق للـ (الفكري والفني) ,ليكوّن أرضية تسفيه لما ليس بعقلاني ,ولا منطقي , المنغلق بالغيبيات.
د ـ التنصل عن الغيبيات الوقائع العملية تضطر الفاعل او الروائي على التشرب بحالة الذهال الابداعي متنصلاً عن جذور الغيبيات, مهما كانت نفسيته قريبة منها, وما يتخذه من مقال سيكون نصاً مفتوح النهاية له أركان القص وانفتاح الهدف:
[قال أسمر ـ للمانوي المتلبس به ـ : في الحقيقة بين الحرب والسلام غشاء رقيق من المشاعر .قال المانوي : بين البشر وقوم يأجوج ومأجوج جدار من الحجر, لكن ليأجوج ألسن خشنة تلحس بهذا الجدار ,وكأنما تلعق دماء بني الإنسان..اللسان هو الخطر سواء عند الجن أو عند الإنس, فالإنس لاتلعق الجدار الفاصل, انما تثير القلاقل بألسنتها
الخشنة…الشر قريب منا ,هذا ما تريد ان تخبرنا به الأحداث والقصص] ـ بنادق النبي, ص175.نعتقد ان النص يتنصل عن الغيبيات بالتدريج على النحو الآتي : 1 ـ ان أسمر يجد بديلاً عن الأديان عبر العلاقة الثيمية بين الحرب والسلام ,التي تنحاز لمشاعر السلام دلالياً.2 ـ يعيد (ماني) الى قصة يأجوج ومأجوج تأويلها العقلاني بتغييره نحو هدم الجدران وبنائها بحسب قوة ثبوت السلام أو ضعفه, بمقابل تغيرات فعل الحروب.3 ـ يتغير ـ حد التلاشي ـ الترابط بين الأديان اللاهوتية والأُخرى السماوية بتحولها الى ألسن خشنة تهد الجدران حتى لو كانت من عقائد او حجر صلب, وهذا تخلي مادي وثيمي عن القيم الدينية ومأثورها في الكتب المقدسة.4 ـ تحول الأديان الى نصوص عبر القصص التوجيهية هو ما يقطع صلة اليقين المفرط بين الطقوس والعبادات. 5 ـ بتحول الأديان الى نصوص من أحداث وقصص ,ذلك يعنى لا نهائية المعنى وتعدد الدلالة ,وفي هذا استبدال الدين بالفن ,والفن النصي المغلق بالنص القصصي المفتوح, وهو ما نراه مرحلة منفتحة حضارياً وتاريخياً , تغادر لحظة الغيبيات لصالح ديمومة التغير.
المصدر
(*) سالم حميد , رواية بنادق النبي , دار سطور , بغداد , 2017









