منذ ُ ستينيات القرن الماضي ، والشاعر المبدع عبد الكريم القصاب يواصل حضوره الشعري في مشهد الشعر الشعبي العراقي ، قادماً من التأسيسات الأُولى في شكل القصيدة الشعبية ، وعياً وممارسة ً ، وقد كتب َ ونشر َ الكثير . شارك في مهرجانات الشعر الشعبي المهمّة في بداية السبعينيات . تفاعل مع تحولات القصيدة الشعبية الحديثة بعد التجربة النوابية الرائدة ، وكان من شعراء الخط الأول في الموجة التجديدية اللاحقة لها. والقصاب شاعر فصحى ايضاً ، وبقدرات عالية متوازية مع قدراته في الشعر الشعبي . يجيد العروض ويدرك الأهمية الفنية التي يمنحها الايقاع الموسيقي للشكل الشعري ، حيث انَّ الشعر فنٌّ موسيقي بلا شك .
مال الشاعر الى الصمت في نهاية السبعينيات ، كموقف سياسي / شعري يعارض ماحصل من تحولات سياسية معروفة ، وابتعد عن الاضواء الخادعة ، لكنه ُ صمتُ العارف ، ومثل هذا الصمت لم يمنعه ُ من مواصلة الكتابة ، وقد اكتنز ما كتبه في ادراج مكتبته . بعد عام 2003 اصدر العديد من المجاميع الشعرية باللونين ، الفصيح والشعبي ، وبإندفاع فني تعويضاً واستدراكاً لما فات :
ففي الفصيح ، اصدرَ : طلّقت ُ ليلى ، الهوى والنزيف ، لاخمر في كأسي ، بعض ٌ من وجع ، روعتي في جنوني . وفي الشعبي : مذكرات ايوب العراقي ، نبي الحرير ، اغاني العاشقين ، موسيقى الوجع ، جرف الغزال ، شواطي الروح ، الوان من الشعر الشعبي ، الميزان في الشعر الشعبي ، كلبدون الدمع .
في مجموعة / كلبدون الدمع / مختارات مما كتبه الشاعر منذ نهاية الستينيات مروراً بالسنوات اللاحقة وحتى مابعد 2003وبذلك أوصل لنا خط تطوره الشعري فنياً وجمالياً ، ماسكاً بكل الاشكال الشعرية ، من قصيدة الشكل الأول العمودي الى قصيدة الشكل الحديث بتموجاتها المتعددة – المسترسلة والقصيرة والمقطعية ذات العناوين الفرعية . والشاعر في كل هذه الاشكال يعكس تجربة حياتية : حسيّة وروحية ، تفاعلية وتأملية . ومثل هذه التجربة لايخفيها الشاعر ، وانما يفصح عنها في الاستهلال : لست ُ على علاقة طيبة مع الوسادة ، أتذكّرُ دائماٌ ، ارِق ٌ دائماً .
انَّ التذكّر والأرق َ يجيئان من تراكم الفجيعة حيث الفقدان ، وكذلك من لحظةٍ هامسةٍ ومؤنِسةٍ :
وحدي ويّه امرايتك ابجي عليك ، امراية امنادَم يطفّيها الدمع واتوجها حسره . وحدي ويّه امرايتك صافن عليك ، إوصفنة المكسور عين الله سكَفها اتكَول حضره …..، تكَلّي اشبيك ، واعيونك يزغرن بيك . هوّه انت َ التكَلي اشبيك !؟..، اليكَلّي اشبيك جيراني اليكَلي اشبيك صحباني اليكَلي اشبيك كَلبي ، مو انت َ ، مو انت َ التكَلي اشبيك . آنه اشبيّه!؟ جاوين انت َ ساكن وين ؟؟ لو آنه جنت حلمان عشر اسنين !!
القصاب في مجاميعه الشعرية ، ومن بينها ( كلبدون الدمع ) يُظهر الانشداد الى الشكل الشعري الأول ويميل اليه اكثر من الاشكال الأخرى ، وهنا اجد التعليل كامن في التشكيل الأول لتجربتة الشعرية ، حيث تصعب القطيعة مع الجذر الأول، الّا ان هذا لايعني حيوده عن الاشكال الاخرى كما اوضحت في الاستهلال .
افّيش هب الهوى..من باب محرابي .هسّه آنه بارد كَلب وامبخّره اثيابي .مليانه روحي ضوه وابيمنتي اكتابي . تنفتح باب السمه من تنفتح بابي .
لا تكفي هذه الاشارة السريعة ، لكنها التلويحة الى الذي جعل الدموع خيوطاً تنساب ، كخيوط الكلبدون…





