ثقافية

قصتــــــان

فرج ياسين

 
( قتلُ ألأبْ )
 
لم يكنْ فرحان مظلوم قد تجاوز العشرين عاما ؛ يوم اقتيد مع رجال المدينة في حملات السفربرلك ، ورُحّل إلى تركيا للمشاركة في حروب الدولة العثمانية الخاسرة التي لا تنتهي .. وكان حطّابا فقيرا مغمورا ترك خلفه زوجة شابّة ، وولدا وحيدا ما زال في القماط .
بعد نهاية الحرب العالمية الأولى أُعيد مع الأسرى إلى مدينة اصطنبول ، ولم يجد الفرصة سانحة للعودة إلى بلده ؛ فأقام فيها وتدبّر عملا ؛ وتزوج وأنجب … ومرت السنون .
بعد خمسين عاما تعرّف عليه مصادفة رجل من مدينته في إحدى مقاهي منطقة بايزيد ، رآه وهو يدخن النارجيلة مع ثلة من الرجال ممن تجاوزوا العقد الثامن ، جَذبهُ شيء ما في قسماته الشائخة ؛ فأقبل إليه وتجاذبا أطراف الحديث ، ثمّ تساءلا واسترسلا في حديث ذي شجون .
أخبره السائح أن ولده سعدون أصبح من أهم رجال المدينة ثراءً وحسبا الآن؛ وقد نصّب نفسه شيخا لعشيرة كبيرة تعود بنسبها إلى أحد رجال الأمّة العظام .. وفي الآونة الأخيرة حررَّ له خبراء الأنساب كتابا ؛ يتحدث عن أرومته ومآثر آبائه ، وأخبار ووقائع قبيلته ، أمجادها ومناقبها وأيامها .
وحين عاد الرجل أشاعَ قصة لقائه بفرحان مظلوم الحطاب ، الذي عُدّ من مفقودي حملات السفربرلك منذ العشرينيات .. فأرسل ولده الشيخ سعدون في طلبه ، وهدّده بقطع لسانه ، إذا هو ذكرّ بعد اليوم معرفته برجلٍ اسمه فرحان مظلوم ..
 
الزِلْزالْ
 
زَعموا أن مدينة كِبرْيا ، كانت ترقد على ظهر زلزال صديق ، وأن أهلها ألفوا تحرّشه الودود ودعاباته منذ مئات السنين ؛ ولا بدَّ أنهم حين يهجسون تململَه كانوا موقنين بأنه لن يغدرَ بهم ؛ لذلك مجّدوهُ وبجّلوه وجعلوا منه رَبّا معبودا .
صنعوا له النُصبَ والتماثيل والإيقونات .. وإيّاك أن تدخل مدينة كبريا من دون أن تعرفَ خارطتها ، وتحمل كتابَ صلواتها ، وتزور معالمَها ، ومُتحفها ومكتبتها ؛ العامرة بنفائسِ المخطوطات والمجلّدات ، التي تؤرّخ لأصول ديانة الزلزال وفقهِها وأسرارِها وأشياخِها ومريديها .
تفاخروا وتجبّروا ، واختصموا مع كل من جَرؤ على مسّ قدسيّة مكانِهم من الجيران والأباعد ، واخترعوا أسلحةً لم يُرَ مثلها ، ووضعوا شعاراتٍ وقصائدَ ردّدها وتغنى بها النساءُ والرجال والأطفال ، وصدحَ بها عقلاؤهم على المنابر .
ذاتَ يوم .. تململَ الزلزال ، وأطال تململَه ، فهاجوا وماجوا مرحاً وأنساً .. رقصوا وغنّوا حتى بلغوا حافات الجنون بنشوتهم المُسْتحلبة من كنوز هيامٍ صوفيٍّ لا حدود له .
وعلى حين غرّة ، أبرقَ لهم رسالةً ليست معتادة أبدا .. هاهي الأرضُ تميدُ وتزأرُ وتنشق ؛ مبتلعةً كلَّ ما على ظهرِها من بشرٍ وحيوانٍ وأماكنَ وأشياء أخرى.
وكانَ أمينُ المكتبة يقفُ بين رفوف الكتب ؛ حين هوت الخزائنُ وأدراج المخطوطات والمجلّدات على جسده ودّفَنته ؛ لكنّّه وجد الفرصةَ ليصرخَ بأعلى صوتِه من تحت الركامْ :
أحقاً أنك فعلتَها يا رَبّي الرحيمْ ؟

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان