داود سلمان الشويلي
لم يبق مني على اسفلت الشارع سوى الرماد الأسود المشوب بلون أبيض، وبعض الأسلاك الدائرية المحروقة، وشعلة صغيرة متوهجة تتلألأ في الفضاء الدخاني الأسود.
قبل يوم جاء بي الشاب «نضال» من المزبلة التي قرب دارهم، وقد تكوّمت فيها الازبال، والقاذورات، بعد إضراب عمال النظافة لعدم صرف رواتبهم لأكثر من شهر.
ارتحت كثيرا بعودتي الى عملي الأوّل وهو الدوران والتحرك الى الأمام كباقي «التايرات» في العالم. حملني «بستوتة» زميله البيضاء، ووضعني في شارع الحبوبي ليس بعيدا عن تمثال المجاهد محمد سعيد الحبوبي، وعندما اشتدت هتافات الشباب بهتاف «بالروح بالدم نفديك يا عراق»، بدأ «الرصاص» يئزّ في الفضاء ويصل الى الجموع الثائرة حول تمثال الحبوبي وهي تهتف بأعلى صوتها.
راح الشاب «مناضل» يشعلني بعد ان صبّ عليّ قليلا من «النفط»، فتصاعد اللهب مني عاليا. احتمى خلفي بعض الثائرين من زخات الرصاص النازلة عليهم كقطرات المطر المنهمر. سقط «نضال» بفعل «رصاصة» اخترقت رأسه، حملوه على أكتافهم وهم يرددون الهتافات، فيما خفّت النار المشتعلة في جسمي، وأصبحت رمادا اسود، وظلت جذوة نار متقدة مني في الشارع الذي فرغ من ناسه بعد أن ذهبوا وهم يشيعون الشهيد.









