حاوره – علاء الماجد
واحد من المبدعين الشباب الذين اختزلوا الزمن في الوثوب على صهوة القصة العراقية، له قدرة على تطويع اللغة بما يخدم رسالة النص بشكل فني قلّ نظيره، المسكوت عنه كثير في قصصه في العوالم الخارجية، لكن العوالم الداخلية التي يكشفها القاص ناصر قوطي لم تبق شيئا للمسكوت، لهذا فهو من القصاصين الشباب القلائل الذين ابدعوا في هذا المجال، انه مبدع حقيقي في ساحة الابداع القصصي . قوطي لم يتناوله النقاد منذ اطلالته على القص العراقي بمجموعته الأولى “وهم الطائر” والتي تعد من أهم ماكتبه، حيث شملت “المجموعة” قصص وهم الطائر، جدار، ماحدث مع اقرب الناس، محاولة لكتابة قصة، الهروب من خرس الاسرة، ترنيمة قديس ، إيقاع الأمكنة، لعبة .. وامتازت بفنيتها ولغتها الصارمة التي تتخللها شحنات شعرية جعلت منها بحق أيقونة لقصص عراقية تمتلك فرادتها وسطوتها بين قصص الشباب.
يقول عنه الناقد علوان السلمان: ” يحاول القاص ناصر قوطي، اقتناص اللحظة مع اعتماد المزاوجة بين الحلم واليقظة لبناء تشكيل مشهدي يعتمد الاختزال في الامتداد الزمني وتحويل مجال السرد من الصورية إلى الحسية المشحونة بالإيحاء بدلا من الوصفية والتقريرية المملة.. فالقصة عنده تسجل لحظتها وتتمحور اشتغالاتها على الواقعة اليومية واللحظة العيانية بتعابير جمالية بعيدة عن الاستطراد ، معتمدة التكثيف الدال بلغة تعبيرية من شأنها تفعيل مفردات النص بما يمنحه قدرة حركية وصورية ” .
في هذه الضجة وهذا القلق الذي يعيشه التشكيلي والقاص ” ناصر قوطي ” وهو يختزل الكثير من التفاصيل لانجاز قصصه القصيرة جدا ، وكذلك الأمر في منجزه الاخر ” التشكيل ” نلج الى صومعته ليدون لنا لوحة تحكي قصصا أخرى ، تمتزج فيها الحكايا المدافة بشفافية اللون الذي يجد علاقة سريعة مع المتلقي :
* متى اكتشفت موهبتك في كتابة القصة ؟
– كان ذلك بداية السبعينيات ، ولكن أول نص قصصي نشر لي كان العام 1978 ، ومنذ ذلك العام كتبت العديد من القصص ولكني لم أنشر سوى ثلاث قصص قصيرة جدا العام 1994 في جريدة الجمهورية وكانت تحت عنوان ” مدينة وسيرك وبضاعة ” أغلب النصوص القصصية التي نشرتها بعد التغيير 2003 كتبت أغلبها في الثمانينيات والتسعينيات . وهنا ينبثق سؤال : ترى ما الجدوى من كتابة القصة ؟ وهل نضيف شيئاً لآلاف القصص الإنسانية التي كتبت ؟ أعتقد بأن من الحصافة على الكاتب أن يكتب نصاً ما لم يكن مغايراً ويشكل إضافة جديدة في السرد القصصي تقترب ان لم نقل توازي كتابنا المهمين أمثال فهد الأسدي ومحمد خضير ومحمود عبد الوهاب وجنداري وعبد الإله عبد الرزاق وحنون مجيد وأحمد خلف وجمعة اللامي والتكرلي ونزار سليم وجليل القيسي وغيرهم .
* ما الذي يدعوك لكتابة القصة ؟
– الكتابة عزاء وربما هي سلاح ضد الموت وتساؤل وجودي عن ماهية كوننا وجدنا وربما هي تفريغ شحنات كهربية نفرغها من وطيس الذهن لكي لاتحرقنا وتحيلنا رمادا ً وفي الوقت ذاته هي لذة لاتضاهيها لذة، كما أن الألم يحفز على الكتابة وعلى حد تعبير الشاعر الألماني يوهان غوتيه ” إذا كان الألم يمنح الانسان القدرة على الكلام، فقد وهبني الله قدرة التعبير عما أشعر به من ألم ، ،النتاج الفني والأدبي حالة معقدة تحتكم الى عدة اشتراطات أولها تلك التراكمات والذكريات والخسارات ، الكتابة مخاض عسير على حد تعبير عالم النفس كارل غوستاف يونغ الذي يذهب إلى أن ذكريات الطفولة هي التي ستوجه السلوك مستقبلا ، كما أن الخبرات الطفولية المكبوتة في اللاشعور محرك قوي للإبداع عند الفرد كما يشبه عملية الإبداع بعملية الولادة عند المرأة حيث يمر الكاتب النص بمخاضات عسيرة . ولايستثني دور اللاوعي في النتاج الأدبي والفني . ولكن تبقى كل التفسيرات عاجزة عن ادراك مغزى الكتابة الابداعية وجدوى التعاطي معها ونذكر هنا ثلاثة مبدعين عالميين انتهوا الى مصائر مأساوية وهم: المسرحي الفرنسي أنطوان آرتو الذي قضى تسع سنوات في مصحات الأمراض العقلية حيث خضع للعلاج بالصدمات الكهربائية والرسام الهولندي الذي انتحر مفلسا والشاعر الفرنسي آرثر رامبو الذي عاش مشردا وغيرهم الكثير .
* كيف ترى الإنتاج الإبداعي بعد التغيير، هل انطبع ذلك على الشعر، الرواية، المسرح، التشكيل؟
– مع الأسف الشديد، ان عملية الاستسهال لدى البعض في النشر نتيجة لكثرة الصحف والدوريات ودور النشر، أثرت سلبا على النتاجات الإبداعية، فهناك الكثير من النصوص الغثة والمجاميع القصصية والروايات التي لاتستحق القراءة وفي الوقت نفسه، ظهرت بعض الأسماء والنتاجات المهمة .
* كيف تنظر للواقع الراهن؟
– رغم ضبابية المشهد سياسيا ، واحتراب أصحاب النفوذ والقرار مع بعضهم ، غير أن فسحة التعبير ” رغم بعض التابوات ” لها دورها الفعال في بناء وطن ديمقراطي وأعتقد ان القوى الديمقراطية سيكون لها دور مؤثر في صياغة دستور يعتمد على كفاءة الفرد ولايعتمد المحاصصة التي قادتنا وستقودنا الى انزلاقات خطيرة سيكون ضحيتها المواطن البسيط الذي لايملك ناقة أو جملا وسط كل هذا الثراء في البلد .
* كتبت القصة والمقالة الأدبية، أيهما أقرب اليك، وأنت تمارس طقوس التشكيل؟
– كل هذه الاشتغالات التي ذكرتها قريبة اليّ فحين أعجز عن التعبير في كتابة قصة الجأ الى الرسم والموسيقى احيانا ، ولكن القصة تظل هي الأقرب بالرغم من صعوبة أن تكتب نصا مغايرا ومقنعا .
* المرأة .. هل حركت فيك جذوة الكتابة وألهمتك تشكيليا؟
– لاوجود للمرأة في نصوصي ربما توجد بشكل عائم وضبابي إما امرأة مستلبة أوذكرى بعيدة . في رسومي وبحكم اللاوعي توجد امرأة تدير وجهها وتنظر بعيدا نحو الأفق ، ربما جاء هذا من أول تجربة خضتها في الطفولة، حين تعلقت بفتاة ثم سافرت مع ذويها، فأنا أرى المرأة أقرب الى الفراشة من أي كائن آخر، ويحزنني كثيرا ان بعض الرجال ( الدبابير ) من يتعامل معها بقسوة وأنا أؤمن بالمثل الصيني القائل ” لاترمِ المرأة ولو بزهرة “
* ما مدى تأثر المشهد الثقافي العراقي على هجرة المبدعين؟
– جميع البلدان المتقدمة في العالم ترحب بل تستقطب الطاقات الخلاقة والمبدعة، فهم ثروة لاتقدر بثمن . الذي حصل عندنا هو إفراغ مدروس ومنظم من الطاقات المبدعة العلمية والفنية وهذه المؤامرة تمت ولما تزل سارية باشتراك بلدان غربية وعربية حتى بتعاون من داخل البلد مع الأسف الشديد . ولكن على المدى القريب، في ظل استقلالية البلد وعودة الأمن، ستعود الكثير من الطاقات الخلاقة، ونحن شاهدنا والتقينا بكثير من المبدعين الذين عادوا الى الوطن، كما نطالب المسؤولين بالاهتمام بالعائدين لأنهم ثروة لا تقدر بثمن وهم بناة عالمنا الجديد باعتبار حيازتهم على خبرات مكتسبة وإضافية من البلدان، التي كانوا يقيمون فيها .
* تهتم بكتابة القصة القصيرة جدا دون غيرها .. لماذا؟
– القصة القصيرة جدا، هذا الجنس العنيد الذي لا يجرؤ الكثير من الكتاب الخوض فيه لصعوبته ، سيحتل مساحة واسعة في المستقبل القريب، وقد انتشر انتشارا واسعا في بلاد المغرب العربي، حيث لا يمضي شهر حتى نقرأ عن مهرجان يعقد لقراءات القصة القصيرة جدا ونقدها ، ستكون الـ ( ق . ق . ج ) سيدة المستقبل نتيجة هذا التسارع وانشغالات المرء بما توفره وسائل التقنية الحديثة. في اعتقادي المتواضع، أن القصة خطاب يوجه الى الناس، فما الذي نريد توصيله وهل في الامكان توصيله بأقل الكلمات؟. القّراء العاديون غير معنيين بقراءة ديستويفسكي أو تولستوي مثلا الـ ( ق . ص . ج ) ، تقرأ خلال دقائق وتعتمد الايجاز وتتواءم مع روح العصر وهي شبيهه بالشفرة ” المورس” .









