ثقافية

قراءة في قصة (نصب الحرية 1998) للقاص محمد الكاظم

يوسف هداي ميس 

 

صمم نصب الحرية أعقاب ثورة 14 تموز العام 1958، جسد خلاله الفنان جواد سليم أهداف الثورة وتطلعاتها، إلا أن أحداثاً جساماً مرت على العراق وانعطافات أكثر تعقيدا أوقفت عجلة الزمن وأخرت الشعب عقوداً إلى الوراء. فكيف أصبحت حال العراقيين بعد أربعين عاما من تلك الثورة، أي في العام 1998؟ يجيبنا على هذا السؤال القاص محمد الكاظم في قصته القصيرة “نصب الحرية 1998” التي ضمتها مجموعته القصصية (طواسين زرقاء).

 يتكون نصب الحرية من أربع عشرة قطعة، تقرأ من اليمين إلى اليسار، إلا أن السارد قام بقراءة النصب بصورة عكسية.. من اليسار إلى اليمين، فابتدأ من النهاية بقطعة الصناعة وانتهى بالقطعة الأخيرة من النصب وهي الحصان. بإشارة واضحة على انقلاب الآمال المرسومة في مخيلة جواد سليم وخيبة الأمل من تحقيق ولو جزء بسيط من تلك الأحلام. 

  لم يقرأ النصب بشكل مباشر، بل كانت قصة تتحدث عن نحات يسافر من مكان إلى آخر. أي أننا لا نجد نصب الحرية المعروف حاضراً في القصة، وكأن القاص اكتفى بالإشارة إليه في العنوان، ولم يأت على ذكره إطلاقاً على طول متن النص.  

  تبدأ قصة “نصب الحرية 1998” بتمهيد عن فنان يروم تصميم جدارية لتوضع في أكبر ساحات العاصمة، إلا انه يترك مشروعه ويقرر أن يسافر إلى مدينته الجنوبية الصغيرة، وفي أثناء رحلته تلك يواجه أربعة عشر مشهدا، وفي كل واحد منها نجد محاكاة لقطعة من “نصب الحرية”. مع وصف مأساوي لما آلت إليه رمزية تلك القطع في العام 1998. حيث يتداخل جنس القصة القصيرة مع فن النحت ليعيد تشكيل القطع الاربع عشرة بمخيلته الخصبة ويرسم لنا صورة أخرى للنصب بعد أن تهشمت دلالته بمعول الحروب والحصار. 

 لم يضع السارد عناوين للأقسام الأربعة عشر في القصة واكتفى بالأرقام متسلسلة من (1) إلى (14) وكما يأتي. 

الرقم (1).

   تتمثل في هذا القسم قطعة “الصناعة” بشكل جلي إذ يستفز البطل سعال جاف متقطع لرجل كبير السن يرتدي زي عمال السكك وهو يقتعد زاوية قذرة، ثم لا يلبث أن يسقط على الأرض ميتاً، وهي دلالة على موت الصناعة في العراق.   

 الرقم(2):

 يعتبر “الثور” أقدم رموز العراق، وهو يشير إلى الفحولة والخصب، يتحول في القصة إلى كائن ضعيف لا حول له عندما يقرأ البطل إعلاناً عن محطة أبقار تبيع مجموعة من ثيرانها السمينة، ثم ينصت إلى حديث مسافر عن عجزه الجنسي أي غياب الخصوبة وخصاء الفحولة وعجزها عن الإنتاج. 

الرقم (3):

 أما قطعة “الزراعة” فهي لدى السارد عبارة عن مسحاة كبيرة كسر عودها، لم يبق منها سوى قطعة الحديد الضخمة. 

 الرقم (4):

 مثل النحات جواد سليم “دجلة والفرات” بنخلة وارفة وامرأة فارعة الطول، بينما يتهكم القاص هنا فيقول “أما النخلة الطويلة التي كانت تتوسط الباحة فقد تحولت إلى عمود متفحم” والمرأة الحبلى تبيع الماء من سطل بيدها وطاسات كطاسات الاستجداء.

الرقم (5):

 وبدلا من أحلام “السلام” التي كانت تراود مصمم النصب يشاهد البطل في القصة ثلاثة جنود بكامل ثيابهم العسكرية وكامل أسلحتهم يتوجهون لحرب ما.

الرقم (6):

 تمثلت “الحرية” في نصب الحرية بامرأة تحمل شعلة الانتصار، لم يجعل الفنان لها أقداماً لأنها لا تحتاج إليها عندما تسمو عالياً، بيد إننا نجد في القصة امرأة اسمها حرية ذات أقدام كبيرة تمشي بها حافية دائما وهي مثار سخرية الجميع. 

الرقم (7):

 نشاهد “الجندي” في القصة على هيئة قبر يحمل شاهده صورة شاب حاد الملامح بثياب عسكرية وخوذة مغطاة بدغل حجري. وعلى عكس جندي جواد سليم الذي حطم أغلال العبودية فإن جندي محمد الكاظم نُصب على قبره قفص حديدي كبير بقضبان رمادية متقاطعة. فالمخلص أصبح مقيداً وغير قادر على تغيير الواقع وتخليص البلاد 

الرقم (8)

يتحول “المفكر السجين” في النصب إلى مفكر بدين يمتهن مهنة التوابيت وإمارات ثراء وحشي تظهر عليه، في وصف واضح للمثقف الوصولي المطبل للسلطة، والمنظر لقتل الثقافة والمثقفين. 

الرقم (9)

 “الأم” في هذه القصة ليست كما هي عليه في نصب الحرية، فظروفها المعيشية حولتها إلى امرأة تمتهن “المهنة القديمة نفسها، مهنة بيع الجسد للعابرين، لتعود وتحمل طفلا رضيعاً وتمشي مثل حيوان يعرف بدقة مواعيد السفاد الوثنية”.

الرقم (10)

يمر البطل بعدة من النسوة، وهن يحطن بتابوت أسود في داخله جثة عارية، تقطعه النسوة بالفؤوس بهمة الحطابين، كل شيء يجري كأنما للبكاء ثمن لا يستطيع دفعه أحد، فالشهادة صامتة خرساء في زمن تكميم الأفواه.

 الرقم (11) 

جسد السارد قطعة “الباكية” بصفصافة تنوح كلما عبثت بجسدها الهائل العري، حتى أنه يشعر برغبة ملحة بالبكاء. ثم يقول بأنها قررت الموت نواحاً. في ترميز للمرأة العراقية التي لن تكف عن البكاء، حتى آخر يوم في حياتها.

الرقم (12)

إن طفل محمد الكاظم مرمي عند شجرة الصفصافة الباكية، إنه يحبهم”ما أجمل الأطفال.. تلك الكائنات التي خلقها الله على صورته، وأنعم عليها بأبوته، ألم يكن المسيح طفلا جميلا أخضر العينين؟”.

 وهو حب يشابه عشق جواد سليم لعالم الأطفال حيث تأثر بفن النهضة الإيطالية إذ يمثل الطفل السيد المسيح مشيراً إلى ميلاد حياة عراقية وهو ما نجده في القصة أيضا إذ يقيم الأطفال عيد ميلاد يشاركهم به النحات. ولكنهم كانوا مشوهين، لا تخلو قلوبهم من القسوة، بدلالة المستقبل القاسي والمشوه الذي ينتظرهم.  

الرقم (13)

  تتبدل اللافتات التي يحملها “رجال الثورة” إلى عبارات مكتوبة بالفحم على سور المدينة يمسحها رجل البلدية، وقطعة قماش تلقى في مكان تجميع القمامة كانت لافتة كبيرة كتب عليها مئات المرات يسقط يعيش يسقط يعيش.

الرقم (14)

يرمز “الحصان” إلى الأصالة فإلى أين انتهى العام 1998؟ لقد أصبح حصاناً بليداً يجر عربة لجمع القمامة، فيما يقوده رجل بثياب حمر عليها شرائط ذهبية كشرائط الفرسان، وبدا صهيله كالنهيق. 

  وهكذا ينتهي المطاف بنصب الحرية إلى أوهام بعد أربعين عاماً من حكم العسكر والانقلابات، وبعمل فريد أبدع القاص محمد الكاظم في إعادة تصويره بأسلوب لا يتأتى إلا لمن امتلك ناصية السرد وتمكن من مادته.   

وبعد ان وصلنا الى العام 2021يبدو ان نص محمد الكاظم المشار اليه كان قادراً على الاستمرار الى ما هو ابعد من سنة كتابته.

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان