نسرين شاكر حسون
تعد الملكة اللغوية أداة حيوية للتواصل، لا سيما بالنسبة للمرأة التي قد تواجه تحديات إضافية بسبب العنف. يتناول هذا المقال تأثير هذا العنف على ملكتها اللغوية من خلال استكشاف التأثير النفسي وانعكاسه على نتاج الأدب.
تشير الأبحاث إلى أن النساء اللاتي تعرضن للعنف قد يعانين من مشاكل نفسية مثل الاكتئاب والقلق، مما يؤثر سلبًا على تنظيم أفكارهن وقدرتهن على التعبير. ومن الناحية الفسيولوجية، يتسبب هذا التأثير في تفعيل آليات متعددة تؤثر في الدماغ والجهاز العصبي. التأثير في الدماغ يتم من خلال الإفراز المفرط لمادة الكورتيزول، مما يؤثر في الحُصين (hippocampus) وهو أحد المكونات الرئيسية لدماغ الإنسان، والذي يؤدي دورًا مهماً في التعلم والذاكرة. لذا فإن ضعف الحُصين يمكن أن يعيق القدرة على تعلم كلمات جديدة. كما يؤثر العنف في القشرة الأمامية، المسؤولة عن الوظائف التنفيذية مثل التركيز وحل المشكلات. هذه المنطقة أيضًا ترتبط بالقدرة على تكوين جمل معقدة وفهم السياق اللغوي. علاوة على ذلك، فإن تأثير الصدمات في مناطق اللغة قد يؤدي إلى تعطل نشاط منطقة “بروكا” التي تُعنى بمعالجة اللغة.
كما نعلم، من وظائف اللغة أنها تُستخدم للتعبير عن المشاعر، وهي سمة طبيعية راسخة في النفس، إضافة إلى كونها مكتسبة ومتغيرة حسب الظروف التي يمر بها الفرد. ويظهر تأثير هذه الوظيفة بوضوح في المرأة بشكل خاص، لكونها تمتاز بحساسية عاطفية أكبر. فهي تعبر عن ما يمر بها من مشاعر وتجارب، سواء من خلال الفن أو الأدب، فتكتب أعمالًا لتعبّر عن نفسها وتعكس ما يحدث لها أو حولها.
الظرف الخارجي الذي يؤثر في المرأة بشكل خاص هو العنف، وهو ليس ظاهرة حديثة العهد، بل كان موجودًا منذ العصور القديمة، حيث كانت ممارسة وأد البنات جزءًا من الواقع الاجتماعي، واستمر هذا العنف في أشكال متعددة حتى يومنا هذا. الكتابة تُعد الملاذ الآمن للمرأة، فمن خلالها تُترجم تجاربها وتعبّر عن معاناتها. وهذا ينعكس في المفردات التي تستخدمها أثناء الكتابة، وقد تكون تلك الكتابات مستمدة من تجربة شخصية أو تجربة جماعية، ولكنها تُترجم بعاطفة تلامس الروح وتتيح للقارئ العيش في ذات التجربة.
وقد أثمر هذا العنف في الأدب النسوي، إذ قدمت العديد من الكاتبات رؤى عميقة حول تأثير العنف في لغتهن وأعمالهن الأدبية. على سبيل المثال، في رواية (10 دقائق و38 ثانية في هذا العالم الغريب) للكاتبة إليف شافاك، تروي حياة البطلة التي تتعرض للقمع والتنكيل، وكيف تُكتشف أجزاء شخصيتها بعد موتها من خلال رحلة جسدها وعقلها وروحها. وكذلك في روايتها (الحليب الأسود)، تنقل شافاك تجربتها الشخصية في الاكتئاب بعد الولادة والصراع عبر أدوارها كأم، وكاتبة، وامرأة مستقلة.
وأيضًا، كان للشاعرة والكاتبة “سعاد الصباح” نصيب في تجسيد معاناة المرأة، معبّرة عن أملها في الحرية والمساواة في المجتمعات العربية. أما الشاعرة الفلسطينية “فدوى طوقان”، فبعد أن كانت ضحية للعادات والتقاليد، تجاوزت تلك المحن التي فرضتها الأعراف السائدة، وعكست تجربتها الشخصية في أعمالها، مثل (وحدي مع الأيام).
كما كان للكاتبات العراقيات نصيب في تناول تأثير العنف على الكلمة، سواء كان عنفًا شخصيًا أو ناتجًا عن الحروب والاحتلال، ومنهن: “لطيفة الدليمي”، التي قدّمت في روايتها (سيدات زحل) صورة لمعاناة المرأة في ظل الحروب. وكذلك، “عاتكة الخزرجي”، وهي شاعرة عراقية جسّدت في شعرها معاناة المرأة وسط مجتمع ذكوري، وما تواجهه من كبت وظلم.






