“نادي الحفاة ” للقاص ضاري الغضبان حمدي العطار
تظل القصة القصيرة أحد أهم الأجناس الأدبية التي تمنح القارئ ومضة مكثفة من الحياة، تختزل تفاصيل الواقع في بناء سردي متماسك وبلاغة رشيقة. ومن بين التجارب اللافتة في هذا المجال تأتي المجموعة القصصية “نادي الحفاة” للقاص والروائي “ضاري الغضبان ” الصادرة عن دار السرد سنة الإصدار 2025طبعة ثانية، والفائزة بجائزة الطيب صالح العالمية للإبداع الكتابي العام 2021، لتؤكد أن القصة القصيرة قادرة على منافسة الرواية في قدرتها على الإدهاش والبوح بعمق التجربة الإنسانية.
*جمالية الأسلوب و موضوعات المجموعة:
يتحلى الغضبان بلغة قصصية مشغولة بعناية، تمتاز بالسخرية المبطنة و الرمزية الموحية، وهو أسلوب يسمح له بتمرير النقد الاجتماعي والسياسي دون مباشرة فجة. موضوعات المجموعة تتوزع بين الواقع العراقي الراهن، بما يحمله من صراعات وتناقضات، وبين الذاكرة التي تستحضر صور المعاناة والغرائبية والمفارقات. ورغم سخرية الأسلوب، فإن القاص لا يتنازل عن جدية القضايا التي يطرحها، إذ تتسع نصوصه لتجسيد مشاهد من الحياة اليومية المأزومة في المجتمع العراقي.
*قصة “نادي الحفاة”:
القصة التي حملت المجموعة عنوانها تكثف رمزية واضحة، إذ تتحول بقعة على ضفاف النهر إلى فضاء يجتمع فيه المختلفون: ملتحون بميول دينية، وشباب بميول علمانية واشتراكية، يجلسون معا متعايشين في فسحة نادرة من التسامح. هذا المكان يصبح رمزا لحلم الحرية المفقودة، وملاذا للهامشيين والمتمردين على قيود المجتمع.
في حبكة تتسم بالتشابك، يعرض الغضبان مأساة فتاة تحاول الانتحار هرباً من إجبار أهلها على بيع جسدها لرجل ثري فاسد يدعى ابن صوفان. ينقذها رواد “نادي الحفاة” ويقفون إلى جانبها، لتتصاعد الأحداث وصولا إلى موت ابن صوفان بلدغة أفعى، في مشهد ينفتح على تأويلات متناقضة بين الإيمان بالقدر والتدبير البشري. ثم يختار القاص نهاية غير حاسمة: زواج الفتاة الناجية يقابله محاولة انتحار جديدة من ابن أحد أيتام ابن صوفان، في دورة عبثية تعكس استمرار المأساة.
*البنية السردية والنَفَس الروائي:
يتضح في هذه القصة، كما في بقية المجموعة، نفس روائي يميل إلى التمدد والتفصيل، مع بناء درامي محكم وحبكة متعددة الأحداث، دون أن يفقد القاص تماسك السرد أو إيقاع القصة القصيرة. وهذا ما يمنح نصوصه قدرة على تجاوز حدود القصة التقليدية نحو خطاب قصصي متداخل مع أسئلة الواقع والسلطة والقيم.
*المجاز والرمزية في النص:
– المكان كرمز: البقعة النهرية التي احتضنت المختلفين دينياً وفكرياً هي مجاز عن “الحرية الممكنة” التي يطمح إليها المجتمع العراقي، لكنها حرية هشة، سرعان ما يتهددها الفساد والسلطة.
– الأفعى: ترمز إلى عدالة غامضة أو عقاب قدري يحيط بالفاسدين، لكنها تبقى غامضة بين التفسير الديني والتأويل العقلاني.
– نادي الحفاة: مجاز عن الفقراء والمهمشين الذين لا يملكون سوى أجسادهم وأحلامهم، لكنهم قادرون على خلق مساحة مقاومة ومشاركة.
– الموت والانتحار: يرمزان إلى انسداد الأفق الاجتماعي والسياسي، مقابل إشارات خافتة للحياة عبر فعل الزواج الذي لم يوقف دورة المأساة.
تبرهن مجموعة نادي الحفاة أن القصة القصيرة ما زالت تمتلك طاقة مدهشة على التقاط جوهر الحياة، وأنها قادرة على مساءلة الواقع بعمق وجمال. ضاري الغضبان في هذه المجموعة لا يكتفي بعرض صور المجتمع العراقي المتصدع، بل ينسج نصوصا مشبعة بالرمز والسخرية، تستفز القارئ للتأمل والتأويل. ولعل ما يجعل هذه المجموعة جديرة بالقراءة والتأمل هو قدرتها على تحويل المعاناة اليومية إلى نص أدبي مفتوح على احتمالات متعددة، بحيث تظل الأسئلة أكثر حضورا من الإجابات.










