ثقافية

قراءة في رواية مقهى الليمبو

أحمد عبد الكريم حميد

نلقي الضوء على رواية “مقهى الليمبو” للكاتبة فاطمة حكمت حسن، الصادرة حديثًا عن دار “جيم”، ويقع العمل بـ229 صفحة من الحجم المتوسط، وصدر للكاتبة رواية “نفسي الامارة بك” العام 2024، ولها ديوان شعري “شيطانها العجوز”، ومدونات أدبية وثقافيَّة على مواقع التواصل الاجتماعي.

تدور أحداث الرواية في مقهى “الليمبو”، وهو مقهى ليس كالمقاهي التقليديَّة – مظلم ومنسي فيه ساعة ومرآة ويسود أجواءه الحزن، ويجعل الشخصيات تسمع لأصواتها الداخليَّة واستحضار الذكريات. صاغت الكاتبة أحداثها ما بين الحياة الواقعيَّة وما وراء الخيال، وابتدعت فِكرة جديدة تختلف نوعًا ما عن الروايات العراقيَّة التي صدرت في الأعوام الماضي، ومنها: التاريخيَّة، والسياسيَّة، والرومانسيَّة، والسيرة الذاتيَّة. يجتمع في هذا المقهى الضحايا الَّذين عانوا الالم، والوجع، والانكسار، وهم يواجهون مَن تسبب بكل هذه المآسي والمعاناة في حالة من الانكشاف الذاتي الَّذي تعمدت فاطمة حكمت اظهاره في عملها الأدبي، إذ لن يستطيع أحد منهم أخفاء ما يعتمل بداخله، فالكاتبة كشفت لنا كل ما في شخصياتها: عطيات، وسليمان، وسمير، وخالد، وأثيل، وغدير، وعبدالقوي، ونور الدين وغيرهم، سواء الأخيار منهم، أو مَن استغل الآخرين، أو مَن أراد فرض سيطرته وإرادته على الشخصيات الضعيفة، وسببوا لهم التعاسة والاهانة والذل، وشخصيات أُخرى فضّلت الهروب من واقعها رغم أنها كانت ضحية أيضًا، لكنها سببت آلاماً لآخرين لا ذنب لهم فيما حدث لهم. واماطت الكاتبة اللثام عن أفعالهم وتصرفاتهم وسلوكهم، واعتمدت على وصفهم وصفًا تعبيريًّا جميلاً، كما لا يخلو النص من الاستعارة التي أعطت جمالية شاعرية، فضلاً عن وجود تعابير اصطلاحية واقتباسات منها قصائد (نزار قباني، وأمل دنقل) وأغنية “جلجل عليه الرمان”، وبرأيي، كان من الأفضل زيادة التعابير الاصطلاحيَّة والاقتباسات والحكم والأمثال لما لها من مدلولات تعبيريَّة تعزز جمالية النص. ابدعت الكاتبة في الحوارات التي جمعت الشخصيات سواء منها ما كان بصيغة عتاب ولوم أو الحوارات الجدليَّة التي جمعت “عطيات” و”نور الدين” تارة، و”نور الدين” و”سليمان” تارة أُخرى، وكذلك رسائل “نور الدين” إلى “عطيات”. نلاحظ أن الكاتبة لم توصف الشخصيات من ناحية المظهر الخارجي، فتستعرض لنا سلوك وتصرفات وأفعال كل شخصية. اجتمعت الشخصيات الرئيسة في المقهى وهي تحمل ماضيها وذكرياتها، وجعلت الكاتبة المواجهة مفتوحة بلا حكم وعقاب، مواجهة مباشرة بين الضحية والمتسبب بالالم والمعاناة والانكسار، حين تكون الكلمة أشد وقعًا.

نالت “عطيات” – إحدى الشخصيات الرئيسية الكثير من حبيبها “سليمان” الَّذي هجرها بحثًا عن منافعه الشخصيَّة الوصولية، ولكنه في كل مرة يلتقيها يتجدد حبه القديم، ويحاول التقرب منها، وتملكها، إلا ان “عطيات” تصده وتلومه وتنتقد أفعاله وآراءه، ونلاحظ أيضًا أن النهاية تجعلنا نفكر فيما إذا كان “سليمان” قد استوعب درس “عطيات”، وتغير، وندم على أفعاله، واثرت فيه كلماتها أو أنه نزع قناعًا وارتدى آخر يوهمنا بانه ليس “سليمان” الَّذي نعرفه. هُنا تشركنا فاطمة حكمت في أحداث روايتها واذا ما تغير سليمان، هَل سنتعاطف معه ونغفر ما فعله بضحيته؟ ضحت “عطيات” مرات بسبب حبيبها “سليمان” الَّذي خذلها، وبسبب نظرة عائلتها والمجتمع لها، وبسبب اعتقال زوجها “نور الدين” الَّذي كان صادقًا نقيًّا محبًا لوطنه ولم يخش أحدا. أخيرًا، ان التنوع في موضوعات الأعمال الأدبيَّة يسهم في ارتقاء المنتج الأدبي العراقي، لا سِيَّما أن المجال الأدبي المحلي يفتقر لأعمال في الفنتازيا، والخيال العلمي، والأدب البوليسي، والأدب التاريخي القديم، والمسرحية، واقتصر الأمر على الأعمال الأدبية المعروفة لدى القارئ العراقي، رغم نجاح أعمال بعض الكُتاب والروائيين إلا ان عددها قليل مقارنة بما ينشر في العالم حاليًا.

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان