خيط دخان
داود سلمان عجاج
كان دائمًا يردد أن الأرض لا تُقاس بمساحتها، بل بالعرق الذي يسقيها والدم الذي يحرسها، وقد كان متعلقاً ببعض الأخيلة والأوهام التي تؤدي به إلى عوالم أخرى أكثر مثالية في القول والتصرف، كأولئك الذين لا يوجدون إلا في كتب التاريخ، غير أنه كان يصدق الكلمة. ولذلك، ففي صغره، كان يقرأ في المناهج الدراسية:
– من لا وطن له، لا وجه له.
وفي الزاوية المقابلة لمدخل الصف الدراسي وُضِعت كرة أرضية وقد بان عليها خارطة الوطن، فيتخيل نفسه جزءاً من هذا الامتداد، لا ينفصل عنه مهما تلاعبت به الظروف.
فتشبث بجذور قريته كما تتشبث شجرة عطشى بشقوق صخر يابس، تبحث عن قطرة حياة، وحنين بدائي يعتلي الفضاء. ومع مرور الأيام، كبر وهو يرى أصدقاءه يرفعون ذات الشعارات، يرددون نفس الأناشيد في المدارس، ويقسمون أمام الجميع أنهم مستعدون للتضحية بالغالي والنفيس، وأنهم سيموتون وقوفا كالأشجار. ومع أول منعطف، تغيّرت الملامح.
فقد ارتدى بعضهم بدلات أنيقة كضباط تتلألأ النجوم فوق الأكتاف، وأحدهم رفع كؤوسه في قاعات الفنادق الفخمة، يتنقل بين العواصم تحت مسمى البعثات الدبلوماسية. كان يبتسم للكاميرات، إذ انتقل معظمهم إلى المدن الكبيرة، بعيدا عن واقع القرى.أما هو، وفي المقابل تماماً، فلم يدرِ أنه يبني لنفسه أبراجا من ورق، تنهار عند أول نسمة ريح، وأوهام عن حسابات عامرة بالمال. كم جميل أن يعيش الأوهام قبل أن يكتشف الحقيقة، وإلى أن يكتشف أنه مخدوع بتلك الأوهام، وكأنه يطارد كالطفل خيط دخان.
وفي المقابل، فقد بقي بين الحقول والطرقات المتشققة، يشم رائحة التراب التي كان يظنها في سابق السنين أقدس من الذهب، بعدما خدم تلك التربة بصفة مقاتل مستعدا للتضحية بما كان يؤمن به. لم يدرِ كيف أمكنه الاستمرار دون أن يشعر بشيء من الضيق، ويعود ذلك إلى أن للقلب ذاكرته. وهناك، انصعق من الأوسمة المصنوعة من السراب على صدور من اختار طريق التضحية من خلال الأعلام، أو أن يكون كالبندول يتأرجح. لذا لم تكن لديه الكلمات للتعبير عن ذلك، ربما هي بداية العدم في داخله.
إنهم، كما ظن، عباقرة، لأن مثله لا يدركون أن يفعلوا لأنفسهم شيئاً مفيداً، ولا أن للقلب هواية أن يطلب القليل من الرفعة. ومن ثم، في ليالٍ طويلة، حين كان يستند إلى جدار بيته الطيني، ففي تلك اللحظة التي أدرك بعدم الجدوى، تحول إلى انفعال، الخوف من الحاضر حينما أصبح يسير على سكة خارج نطاق الزمن، وما هو آتي، والتأسف على مضى. حاول أن يمحو الواقع من رأسه، لكنه لم يستطع.
كان عليه أن يتعايش مع الواقع، بعد أن أفاق من ذلك الإخلاص حد اللعنة لتخيلاته، إذ كان يسير وراء تمنياته. لكن ماذا لو أنه مات على نفس السجية؟ لذا أخذ يسأل نفسه بصوت متهدج وهو في وحدته الهادرة بصمتها:
ــ هل أخطأتُ حين آمنتُ أن الانتماء يُولد مع أول صرخة على هذه الأرض؟
فأجابه صدى داخلي قاس:
– نعم، إن الانتماء يُطبع على سفر ملوّن، ويُرصع بأرصدة البنوك.
وصوت خفي يحاول انتزاع تلك الأفكار من رأسه، فلم يجد جوابًا يخرجه من دوامة التفكير بعدما كُتم اللسان وهو يكتشف أنه كان يقدم نفسه كمطية تحت الأضواء. ربما هي عقاب على جريمة الطاعة العمياء، إذ لم يرد أن يصدق أنه ظل يسير وراء شعارات وهو معصوب العينين، في أرض صار شخوصها هياكل.
وأخيراً، كل ما وجده أن الأرض التي أحبها، صارت غريبة، تمحو الخطى، حتى الحروف فيها قد تبدلت، والذكريات أصبحت مسجونة في الذاكرة، رهن الحصار، تعكس الروح الحائرة، وكأن الوجوه التي شاركته الهتاف يومًا ما، ابتسمت للغريب ونسيته.
أغمض عينيه تلك الليلة وهو يستمع إلى أنفاسه،إذ كان قد أيقن أن المكان الذي لا يعود منه أحد هو المكان المناسب له، ومن ثم أخذ يردد:
ــ لم يعد الانتماء حين نُولد، بل حيث نجد الجاه والمال.










