ثقافية

قصة قصيرة

 “وجه آخر “

علي طعمــة

خبأ نفسه وراء ستار النافذة، وعيناه تترقبان تحركاتها ، وهي تتلوى فوق السرير بقميص النوم، همس مع نفسه:

يا لها من فاتنة…

نقل خطاه بهدوء، اقترب منها، توقف لبرهة ،حاول أن يخبئ كيس المجوهرات الذي سرقه من دولابها الخشبي تحت قميصه الأسود، لكنه سقط من بين يديه ، مما أحدث قرقعة طرقت مسامعها الغافية ،فتحت جفونها المثقلة بالنعاس دون أن تنتبه لشيء ، تراجع الى الوراء بضع خطوات، حرك شفتيه بصعوبة وقال:

 اي احد يجيء في مثل هذا الوقت المتأخر من الليل يعتبر لصا و..ولا ادري ماذا سافعل؟

هل ابقى اتأملها، ام ادعها واهرب؟ أشعر بأن رغبة ما تنهشني من الداخل وتدفعني للانقضاض عليها، لا اطيق تلقبها فوق السرير ،لكم اخشى صراخها ،هل اوقظها؟

ربما أنجح في اقناعها.. ساقول لها إني مطارد من قبل الشرطة وجئت اقضي الليلة هنا حتى الصباح، ربما تكون ساذجة، أو طيبة القلب وتصدقني، وسأنال ما ابتغيه ،ثم اتخلص منها بسهولة، نقل خطاه ببطء، اقترب منها شيئا فشيئا، وفراشة تسللت واشعة الشمس المنداحة من نافذتي المفتوحة ترفرف بجناحين جميلين، دارت في فضاء الغرفة وحطت على وجه الرجل الزجاجي مما حجبت الرؤية علي، اسيقظت الفتاة من نومها مرعوبة وصرخت :

ابتعد..ابتعد عني.

طارت الفراشة من صدى الصرخة خائفة وحطت على كتفي، الفتاة تصرخ والرجل يحاول تهدئتها وأنا أنظر الى تلك الفراشة التي احبت الجلوس فوق كتف اعوج لاينجب ظل امرأة، الفتاة تستغيث وهو يتحدث معها بكلمات منمقة: سيدتي اسمحي لي أن أوضح لك حقيقة الأمر…بينما يدي تمتد نحو الفراشة الجميلة وشيئا فشيئا يلتصق لهب أصابعي بجناحيها الناعمتين والمزينتين بالوان زاهية ومشعة بالتماعة شفافة ، والآخر سحب الفتاة من خصرها ورماها فوق السرير، وبسرعة مذهلة مسكت أصابعي جنحي الفراشة، الفتاة أرادت التخلص منه لكنه طوقها بذراعيه القويتين وهي تلهث مثل طريدة، ومن اجل أن اطلق انثى الفراشة المبتلة برذاذ النارنج ،امسكت جناحيها بقوة، كأني أريد أن اهذب جوهرها الفرد وانزع عنها زهوها الاول ، وصدى أخرس امتزج مع ارتعاشة اصابعي وبكاء الفتاة التي تصرخ في أسفل عمق  يغوي آدميتي الهشة، الفراشة كومة لحم متهالكة تتلوى فوق أرضية غرفتي الباردة، تواصل زحفها المرير نحو مستطيل الضوء المرسوم على هيئة النافذة، بينما هو يلعق تفاح وجهها الموشح بعويل جنائزي مخيف، ابتعدت عنه، طاردها، صاحت بأعلى صوتها:

اتركني أيها الوحش..

تدحرجت الفراشة مكررة التماعة جناحيها فوق الأرضية وكأنها تقيس اشبار المسافة المتبقية حتى حافة الضوء، حاصرها على الجدار وهي تصرخ :

ابتعد أيها المجنون…

ولا جدوى حين دفعتها باصبعي المرتجف انقلبت على ظهرها، حركت رجليها الرفيعتين، الآخر احاطها بانفاسه الكريهة، غرس شفاهه الغليظة في فمها اللاهب، توقف لهاثها، ورجلا الفراشة تتسلقان سلم الهواء، امتدت يده ممسدة خصلات شعرها الهائج مثل شلال هامر، وبعد عدة محاولات عادت الفراشة الى وضعها وراحت تزحف نحو مستطيل الضوء والفتاة تحاول التخلص منه وبين لحظة واخرى تصفعه ،انقلبت الفراشة مرة أخرى، واصبعي المرتجف يسعفها ولما افلتت الفتاة نفسها من بين يديه ضربته بمخدة على وجهه وفجاة نهضت الفراشة وبدأت تواصل زحفها النبيل باتجاه مستطيل الضوء وما أن وصلت توقفت والآخر كان ينحت من طبع الظلمة حيوان فحولته ليحتل مساحات أخرى من جسدها وهي تبكي في حين أردت أن ادفع الفراشة الى الإمام، اعيدها الى وضعها الحقيقي لكني لم افلح، كانت الفتاة تقاوم بكل ما تملك من قوة والفراشة نائمة بلا حراك ،  ولما دس نصل السكين في بطن الفتاة توقفت ارتعاشة يدي وكأنها تستقبل اشارة موت الفراشة المعلن مع الفتاة في آن واحد، لكني …لا أدري كيف انهزم القاتل!، كنت متشوقا لرؤية كل شيء يجري عبر شاشة التلفاز.

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان