ثقافية

قراءة نقدية تطبيقية بعنوان: التجديد في البنية الشكلية لقصيدة النثر من خلال قصيدة للشاعر المغربي خالد بوزيان موساوي

زينب حسيني

النص:  بثلاثة أزمنة Valse en trois temps

الزمن الأول valse à un temps

حان زمن شل رقصة عقارب ذياك الحب والهيام

فما عادت شموسنا تعد إيماءات غمازاتها بالأرقام

كفانا ترهات شاحبة تتغزل بهنيهات ايام واعوام

وخباثة تهلل الصباحات ورتابة جلسات المدام

الزمن الثاني valse à deux temps

انطفأ طيفك في أروقة الظلام

كممه صمت الليل بقيود اللجام

وما علق منك في غربال الغمام

واريته ثرى حتى يشرق السلام

بحبوحة شفاء رقص له الحمام

أيقظتني من غفوة حمى النيام

من الانعتاق حلال هو أم حرام

فصليت لله رتلت سورة الأنعام

زمن اللانهاية valse à temps infini

وما أن أسدلت بعدها ستور الأماني كلها والأعلام

زارني طائر من سماء وعد جديد ليرمم الحطام

حكاية ارتباط عبر أثير الصدق ولا في الأحلام

حكاية ولادة حب أشرق لأجله الحرف وروائع الكلام.

القراءة:

تمهيد:

  اعتدت ألا  اوافق البنيويين في فكرة “إقصاء المؤلف أو موته” فالمؤلف هو الذي ينظم الشعر ويكتب القصص والروايات و المسرحيات الخ، وكل ما يكتبه، هو وليد انفعالات داخلية متقدة في الوعي واللاوعي وفي الوجدان، يعبر عنها كاتبها بأساليب مختلفة ويلبسها اشكالا والوانا جديدة من التعبير الفني.

وليس غريبا والحالة هذه أن

يختار شاعرنا  عنوانا لنصه:

Valse à trois temps

والعنوان هذا مستوحى من أغنية فرنسية راقصة للمغني

المشهور     

 jacques Brel

يبدو أن شاعرنا  احبها  وانفعل برقصة الفالس وسرعة إيقاعها فنظم قصيدته المستوحاة من هذه الرقصة.

عنوان القراءة:

التجديد في البنية الشكلية للقصيدة في النص:

Valse à trois temps

أ- التجديد في اختيار العنوان.

أفضل أن اعرف بهذا العنوان لانه العتبة الأولى والنافذة التي تضيء النص:

أساسا كاتب هذه الأغنية وملحنها هوالمغني الفرنسي المشهور

Jacques Brel

وقد سماها

Valse à mille temps

اي “فالس بألف  زمن”

ورغم أن  إيقاع الفالس

هو (٣/٤) اي ان الزمن الواحد مكون من ثلاث دقات. لكن “جاك بريل” يحول هذه الرقصة الثلاثية الهادئة إلى فالس بألف زمن :

يصبح فيه الإيقاع سريعا، متسارعا، لاهثا، منفلتا من السيطرة، فكأن الزمن نفسه يركض، ويصبح الفالس رقصة للحياة ، للحب ، وللزمن الذي لا يعرف التوقف…

 وبرأي بريل، أن الحب هو فقدان للسيطرة، هو جنون، واندفاع حتى الإنهاك..

في الأغنية الرقصة تدور وتدور بلا نهاية ، وتذكرنا  بالرقص الصوفي ( رقصة التنورة) وكأنها تقول لنا: تعالوا نرقص، نعيش الحياة بملء جوارحنا… فالوقت لن ينتظرنا … لأن الثبات في موقعنا يعني الموت…

ب- التجديد في البنية الشكلية الخارجية للمتن:

وكان قد شاع استخدام إيقاع يوازي الفالس وزنا (٣/٤) ويدعى “السرمند” في الموشحات الأندلسية أمثال موشح:”يا غصن نقا” و”يا من لعبت به الشمول” وأيضا في اغان عربية كثيرة مثل ليالي الأنس في فيينا وغيرها.

وبما ان العنونة لم تكن  اعتباطية بل لها ربط بالحياة وإيقاعاتها، فقد رأيت أن  هناك تناغما بين العنوان وتقسيم النص، فالنص مكون من ثلاثية (ثلاثة مقاطع) وقد جاءت مشابهة لتركيبة الموشحات الأندلسية من حيث سهولة التركيب،  والموسقة،  وكأنها ملحنة سلفا أو كأنها نظمت لتغنى.

وقد قسم شاعرنا نص الثلاثية إلى ثلاثة ازمنة:

-الزمن الاول:

Valse à un temps

وهو مكون من أربعة أبيات فيها قافيتان:

١_هيام، مدام.

٢- أرقام ، أعوام.

_الزمن الثاني:

Valse à deux temps

وفيه مقطعان كل منهما مكون من أربعة أبيات تتميز

بوحدة القافية على وزن(فعال)

ظلام، لجام، سلام…الخ.

واخيرا؛

_ زمن النهاية:

valse  à temps infini

هو مكون من أربعة أبيات، لكل بيتين منهما قافية واحدة مختلفة:

-أعلام، أحلام

– حطام ، كلام.

بنية التشكيل هذه؛ هي بنية بنية حديثة متميزة لقصيدة النثر ؛ فيها قواف موحدة ومتنوعة، وبيوت الشعر فيها تطول وتقصر؛ حسب الحالة النفسية التي يعبر عنها الشاعر…

كما أنها تعطي المتلقي شعورا بقربها من الموشحات الأندلسية المموسقة التي بنيت على الأسلوب السهل الممتنع، لكنها متميزة عنها بثراء الدلالات والإيحاءات…

_ب الإيحاءات الدالة في النص و صولا إلى بؤرة النص.

في الزمن الاول: دلالات وإيحاءات تدل على أفول

نجم ذياك الحب “بترهاته الشاحبة” و”رتابة” جلساته.

في الزمن الثاني؛

 “أنطفأ طيفها” في مخيلته

وكل الدلالات تشير إلى انه أحس براحة كبرى وانعتاق من ربقة حب؛ عاشه كابوسا.

ويأتي الزمن الثالث ؛ زمن اللانهاية . بعد أن استراح من

ذاك الكابوس وابتدأت

” حكاية ارتباط عبر الأثير” 

عبر عنها الشاعر بأنها ولادة

” حب  اشرق لأجله الحرف

وروائع الكلام”

_البعد الإجتماعي:

الشاعر يطرح إشكالية وجودية عن أي حب لم تكتمل شروطه لعدم  انسجام طرفيه انسجاما كافيا

للاستمرار. فقد بدأ بالملل والرتابة، مما أدى إلى رغبة

ملحة في الإبتعاد أو الانفصال الذي تحقق، مما جعل الشاعر يحس براحة كبرى وانعتاق وحرية…

-البعد العاطفي: يتمثل في

الزمن الثالث اي زمن اللانهاية: فيه توصيف لزيارة

“طائر من سماء وعد جديد”

“رمم الحطام” مما يدل على أن للحب الصادق الحقيقي

مفاعيل عجيبة تنعش النفس

وتشفيها  من جروحها في انعتاق نحو سماء الحرية، مع حصول “ارتباط عبر أثير الصدق..”

وتنتهي القفلة ببيتين من الشعر جعلهما الشاعر 

“بيت القصيد” فقد  بزغ في حياته حب جديد، “أشرق لأجله الحرف، وروائع

الكلام…”

فنية اللغة الشعرية :

النص ثري بالصور الشعرية

التي عبرت بصدق عن نفسية الشاعر في كل الأزمنة الثلاث التي عاشها ، فقد عبرت عن زمن الضيق والرتابة ، تلاها انطفاء الحب تماما،  والإحساس بالشفاء والانعتاق بعدها تلتها حالة “ترميم الحطام” ببزوغ حب جديد ولد في ذات الشاعر إشراقة “الحروف” وكتابة “روائع الكلام” وكأن الحب هو غذاء  للفكر والروح، والنور الذي  أطلق العنان لتوهج الشعر وروعة الكلام.

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان