هيثم محسن الجاسم
غمرني شعورٌ شفيف بالرضا والامتنان وأنا أعيش أيام مهرجان المجاهد مصطفى جمال الدين الشعري، الذي انعقد مؤخرًا في محافظة ذي قار، بوصفه فعالية ثقافية أعادت الاعتبار لقيمة اللقاء الإبداعي، ورسّخت معنى التواصل الإنساني بين الأدباء من مختلف محافظات العراق.
لقد أتاح المهرجان، بعفوية جميلة، فرصة للقاء الأصدقاء وتجديد وشائج المحبة، إلى جانب التعارف مع زملاء جدد من أعضاء اتحاد الأدباء والكتاب في العراق، حيث جرى تبادل المنشورات والتقاط الصور التذكارية التي وثّقت لحظات ثقافية وجلسات حميمية، حملت في طياتها روح الانتماء والود.
كما شكّل المهرجان مساحة حوار جاد حول هموم الحراك الإبداعي في العراق، وتجلياته المختلفة، إضافة إلى الاستماع لنماذج شعرية ثرية بالجمال والتألق، أغنت منهاج المهرجان ومنحت الجمهور لحظات إشراق حقيقي.
غير أن هذا الحدث، بما وفره من تقاطع أفكار وآراء، أفضى كذلك إلى توافق غير معلن بين عدد من الزملاء على حقيقة مؤلمة، مفادها أن الوسط الثقافي لا يخلو من ظواهر دخيلة تسعى إلى تحقيق امتيازات بلا استحقاق، عبر استغلال الصفة الأدبية شكلًا لا مضمونًا. وهي ظواهر يمكن توصيفها ـ دون مبالغة ـ بالفساد الثقافي، إذ إن من يقف خلفها يفتقر إلى منجز إبداعي يُعتد به.
ويمكن تمييز نوعين من هذه الحالات:
الأول: إرثٌ متفسخ من مراحل سابقة، فُرض فيها على الوسط الثقافي أشخاص لا يمتّون للإبداع بصلة، محصّنين بعضوية قانونية صدرت بقرارات نهائية يصعب مراجعتها.
أما الثاني: فهو نمطٌ طارئ ارتزاقي، يتوسل الأدب وسيلة للحصول على منافع مادية أو رمزية، كمنحة أو قطعة أرض أو هوية اجتماعية، مقابل توظيف صوته الانتخابي لصالح متسلقين تمترسوا في إدارات بعض فروع الاتحاد، مع كامل الاحترام والتقدير للقامات الثقافية النزيهة التي ما زالت تعمل بإخلاص لخدمة الأدب والأدباء.
ولعل ما يزيد الأسى أن نتاج هذه الفئة، في الحالتين، إما فقير أو سطحي، غائب عن المشهد الإعلامي الثقافي، ولا يترك أثرًا حقيقيًا في الذاكرة الإبداعية.
في المقابل، كشف المهرجان عن وجهٍ آخر مشرق، تمثل بروح العمل الجماعي التطوعي، حيث شعرت بقوة معنوية عالية وأنا أعمل ضمن فريق متفانٍ، أسهم بجهوده المجانية في إنجاح المهرجان، وتقديم صورة مشرّفة عن هوية الأدباء المحلية والوطنية، الأمر الذي عزز ثقة الجمهور بالمشهد الثقافي.
ومن خلال هذه التجربة، أمكن تمييز العناصر النفعية والمندسة التي تحاول سدّ نقصها الذاتي بالاحتماء بلقب “أديب”، أو بالتحالف مع من يشابهها نفسيًا، في محاولة لتضليل الهيئات العامة بادعاء شرعية قانونية ناتجة عن انتخابات شكلية.
إن خلاصة هذه التجربة، بسلبها وإيجابها، تؤكد أن عقد المؤتمرات والمهرجانات الثقافية لا ينبغي أن يقتصر على الاحتفاء والاحتفال، بل يجب أن يكون أداة فاعلة لتقويم الوسط الثقافي وتقييمه، عبر مراجعة آليات القبول، وإعادة النظر في العضويات السابقة، بما يضمن تنقية اتحاد الأدباء ـ هذا الفضاء الجمالي ـ من التشوهات التي تعيق مسيرته، ليبقى منبرًا حقيقيًا للإبداع والبهاء.










