ترجمة / رنا عبد الرحمن عزيز
منذ زمن بعيد كان يعيش على ساحل البحر الياباني صياد يدعى أوراشيما (Urashima), كان فتى نشيطاً ويتحرك بسرعة جداً حاملاً معه قصبة الصيد وصِنارة.
خرج في أحد الأيام للاصطياد بقاربهِ, ولكن بدلاً من أن يصطاد سمكة ماذا تعتقدون انه أصطاد؟ حسنا, أصطاد سُلحفاة كبيرة ذات قوقعة كبيرة ووجه ذو ملامح كبيرة مجعدة وقبيحة وذَنَب غريب جداً. حسناً سيكون من الأفضل أن تتعرف على هذه المعلومة والتي بلا شك أنك لا تعرفها. وهو أن السلاحف تعيش ألف سنة, على الأقل السلاحف اليابانية. أوراشيما (Urashima) الذي لم يتجاهل ذلك, قال مع نفسهِ: تَناول السمك أحسن بكثير بل ربما أفضل من السلحفاة. لماذا أقتل هذهِ السلحفاة المسكينة وأحرمها العيش إلى تسعمائة وتسعون سنة؟ لا, لا أريد أن أكون قاسي جداً وأنا مُتأكد إن والدتي ستوافقني الرأي.أخيراً رمى الفتى بالسلحفاة مرةً أخرى إلى البحر. وحدث بعد فترة قليلة أن نام أوراشيما في قاربهِ. في نهار صيف حار جداً حيث أن الحرارة في منتصف النهار لا تُطاق لأخذ قيلولة. ما أن نام أوراشيما, خرجت من جوف الأمواج امرأة جميلة دخلت إلى القارب وقالت لهُ:
– أنا ابنة إله البحر وأعيش مع والدِي في ساحل الدراكَون ((el Dragōn)) وراء البحار. لم تكن سلحفاة تلك التي اصطدتها قبل فترة قليلة بل كنت أنا وبنبلاً كبيرٍ منك أرجعتها من جديد إلى الماء بدلاً من قتلها, لقد بُعثتُ من قبل والدي, إله البحر, لكي نعرف فيما إذا كنتَ رجلاً طيباً أم لا. الآن وبعد أن عرفنا أنك فتىً طيب وممتاز, ولا تُحب الُعنف أتيتُ لأخذك معي. وإذا ترغب نتزوج ونعيش بسعادة سويةً, أكثر من ألف سنة في ساحل الدراكَون Dragōn وراء البحار الزرقاء. في حينها مسك أروراشيما بأحد المجاذيف ومَسكت أميرة البحار بالمجذاف الآخر, وراحو يجذفون ويجذفون إلى الأمام حتى نهاية ساحل الدراكَون (Dragōn) حيث كان يعيش ويحكم إله البحر كملك على جميع التنانين والسلاحف والأسماك.
آه يا لهُ من مكان جميل جداً! كانت جُدران القصر من المرجان, وأوراق الأشجار من الزُمرُد والثمار كانت من الياقوت, حراشف الأسماك كانت من الفضة, وأذناب التنانين كانت من الذهب. فَكِر بكل الأشياء الجميلة والباهرة والمشرقة التي رآها في حياتهِ, ووضعها جانباً وربما ستتخيل في حينها كيف كان يبدو القصر وكل ذلك كان مُلك أوراشيما. وكيف لا وقد أصبح نَسيب أله البحر وزوج الأميرة الجميلة؟ لقد عاشوا هناك في القصر سُعداء من ثلاث سنوات, يتجولون كل يوم بين أوراق أشجار الزُمُرد وفواكه الياقوت. ولكن في أحد الأيام قال أوراشيما لزوجتهِ: أنا مسرور جداً وسعيد هنا، ولكن مع ذلك أنا بحاجة إلى العودة إلى بيتي لرؤية أبي وأمي وأخواتي، دعيني أذهب لفترة قليلة وسأعود بسرعة. لا يروق لي ذهابك- أجابت الأميرة – أخافُ كثراً أن يحدث لك شيءً مُريب، ولكن انظر، بما انه هذه رغبتك لن أستطيع منعك. ومع ذلك، خذ معك هذا الصندوق وأحرص على عدم فتحته، إذا فتحتهُ، سوف لن تستطيع رؤيتي مرة أخرى. وَعَدَ أوراشيما إن يهتم كثيراً بهذا الصندوق ولا يفتحه مهما حدث. وبعد ذلك دخل في قاربهِ وأبحر بعيداً حتى نزل في ساحل بلدهِ الأُم. ولكن ما الذي حدث خلال فترة غيابه؟ اين كوخ والدهِ؟ ما الذي حدث بقريتهِ التي اعتاد المشي فيها؟، في الحقيقة، لم يبق شيء سوى الجبال ظلت على حالها، فالأشجار قد قُطعت، الجدول الذي كان يمر بالقرب من كوخ والدهِ، كان مازال هناك ولكن لم تكن النساء اللواتي كُن يَغسِلن الملابس موجودات من العجب أن يتغير كل ذلك خلال ثلاث سنوات فقط. مَرَ في حينها بالقرب من اوراشيما رجلٌ سأله: تستطيع أن تخبرني من فضلك أين كوخ أوراشيما الذي كان موجود هنا في السابق. اجاب الرجُل:
– ارواشيما؟ كيف تسأل عنهُ؟ إذ انهُ اختفى منذ أربع مائة سنة بينما كان يصطاد. وقد توفى منذ قرون كل من والديهِ وأحفاد أخوتهِ. أنها قصة قديمة جداً. من الجنون أنكَ مازلت تبحث عن ذلك الكوخ. منذ مئات السنين فقد صبح انقاضاً. وفجأةً خطر على بال ارواشيما فكرة ان قصر التنين، الذي وراء البحار، وجدارها الذي كان من المرجان والفواكه من الياقوت والتنانين ذات الذنوب الذهبية جميعها كانت جزء من بلد الجان، حيث ان طول اليوم الواحد يعادل أكثر من سنة من هذه العالم، وان الثلاث سنوات التي قضاها مع الأميرة كانت تعادل أربع مائة سنة، لا قيمة للبقاء في ارض مات فيها جميع أقاربهِ وأصدقائهِ وحتى قريتهِ اختفت. في حينها فكر اوراشيما باندفاع وتهور كبيرين بالعودة إلى زوجتهِ، وراء البحار. ولكن ما هو الاتجاه الذي كان يتوجب عليه أن يسلكه؟ من الذي سيدله إياه؟ أنشغل بالتفكير مُحدثاً نفسه قائلاً:- ربما إذا فتحت الصندوق الذي اعطتنيها الأميرة سوف أكتشف السِر والطريق الذي أبحث عنهُ. وهكذا أخلف بالأمر الذي أمنتهُ إياه الأميرة، أو بالأحرى انه نسيهُ في تلك اللحظة، بسبب القلق الذي كان ينتابه. فتح اورشيما (Urashima) الصندوق. ماذا تظن خَرجَ منهُ؟ خرجت منه غَيمة بيضاء طارت فوق البحر، كان يصرُخ بلا جدوى على الغيمة طالباً منها أن تتوقف. في حينها تَذَكَرَ وبحزن ما قالتهُ له زوجتهِ في عدم استطاعتهِ العودة إلى قصر إله البحر في حالة فتحهِ للصندوق. وبسرعة لم يكن بإمكان اوراشيما الصُراخ والركض اتجاه الساحل وراء الغيمة. فجأة، أصبح شعرهُ أبيض مثل الثلج ومتلأت ملامحه بالتجاعيد وانحنى ظهرهُ كعجوزٍ هرم وبعد ذلك فقد التنفس. ثم مات على الساحل. مسكين اوراشيما مات بسبب ذهوله وخذلانهِ بالعهد. لو كان فعل ما أمرتهُ به الأميرة لكان قد عاش أكثر من ألف سنة. قُل لي: إلا يعجْبكَ زيارة ساحل الدراكَون، ما وراء البحار، حيث يكون إله البحر كملك على التنانين والسلاحف والاسماك، حيث اوراق الاشجار من المرجان والفواكه من الياقوت وحراشف الاسماك من الفضة وذنوبها من الذهب.
مدريد، 1887.









