ثقافية

الرواية الأولى: الحجم، الرؤية، والتكنيك

كاظم حميد الزيدي — الديوانية

في تاريخ السرد الروائي تُعَدُّ الرواية الأولى بمثابة الهوية التعريفية الكاشفة عن شخصية الروائي، والمحمَّلة بطبيعة مرجعياته الاجتماعية والثقافية والتاريخية، التي تشكّل كينونته وهو يهمّ بالخوض في عالم الرواية؛ هذا العالم الذي تتقاطع فيه الأسئلة الفنية مع القلقين الوجودي والمعرفي، والمؤطرين بالوعي الجمالي واللغوي.

وفي تجربته الأولى يكشف الروائي عن حمولته المعرفية والفنية التي تؤهّله للدخول في هذا المضمار، ولا بدّ له — في هذه المرحلة — من الارتكاز على تجارب من سبقوه من الروائيين، والاطلاع الواسع على منجزاتهم، ثم محاولة مغادرتها في أعماله اللاحقة كي يحقّق بصمته الخاصة في هذا العالم الواسع.

ومن هنا تبرز أهمية ثلاثية الحجم والرؤية والتكنيك؛ إذ يكشف الحجم عن طبيعة الثيمات المتداولة في الرواية وطبيعة الحلول والنهايات التي تُبنى عليها. أمّا الرؤية فتكشف عن الجانب الثقافي والجمالي، وعن النفس الإبداعي المتأتي من التجربة الإنسانية والقرائية للكاتب، وهي — في النهاية — تصبّ في الشكل المقدم للقارئ حول التجربة الروائية. وأما التكنيك فهو طريقة تقديم العمل الروائي وفق أساليبه المتنوعة والمناسبة للسرد، بحيث يقدّم الروائي عمله الأول لا بوصفه نصًا ناشئًا فحسب، بل بوصفه مسودة هوية لمشروع روائي يتشكل على مهل.

والرواية — في عمومها — ذات مرجعيات متعددة؛ فهناك الروايات الخيالية، العلمية منها أو السحرية، والروايات الاجتماعية الواقعية، وروايات أخرى تكون على تماس مباشر مع التحولات الاجتماعية والتاريخية والسياسية وتواكب أحداثها. فبعد الحرب العالمية الثانية ظهرت روايات محمّلة بالهمّ الإنساني، تطمح إلى حياة يسودها السلام والمحبة، ومشحونة بفلسفة مفادها أن الحياة قصيرة، ولا يملك أحد الحق في استغلالها لتحقيق طموحاته الأيديولوجية أو السلطوية.

ولنا أن نذكر هنا بعض التجارب الأولى لعدد من الروائيين العرب والعالميين:

روائيون عرب

نجيب محفوظ — روايته الأولى عبث الأقدار (1939)، وهي رواية قصيرة نسبيًا ذات طابع تاريخي فرعوني، متأثرة بالتيار التاريخي للرواية، وتُعَدُّ بمثابة مرحلة تدريب مهّدت لمرحلة الثلاثية والواقعية لاحقًا.

روائيون عالميون

دوستويفسكي — روايته الأولى الفقراء (1846)، قصيرة الحجم، وتكنيكها رسائلي، وقد عُدَّت لاحقًا بداية متواضعة مقارنة بروائعه اللاحقة.

روائيون عراقيون

غائب طعمة فرمان — روايته الأولى النخلة والجيران (1966)، حجمها متوسط، وطابعها واقعي اجتماعي. وقد رآها النقاد بداية ناضجة تستحق الإشادة والوقوف عندها.

ونستنتج من ذلك أن:

بدايات الروائيين جاءت — في الغالب — أصغر حجمًا، وأقرب إلى التجريب في المحاكاة والأسلوبية.

وقد لاقت استقبالًا نقديًا متباينًا. وتكمن قيمتها الكبرى في كشف اتجاهات الكاتب الجمالية، والتمهيد لمرحلته الفنية اللاحقة.

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان