ثقافية

الرمزية والذاكرة التكوينية في قصيدة ”عصا الخرنوب  ”للشاعر: حبيب السامر

قراءة فلسفية وسيميائية

د. عبد الكريم الحلو

القصيدة:

عصا الخرنوب

حبيب السامر

(1)

على سياجِ مقبرة الإنكليز

تتعانقُ، تتشابكُ،

أَغصانُ الخرنوب.

وفي الطريقِ إلى مدرسةِ الرباط،

يحشر التلاميذُ أَجسادَهم بين القبور،

التلميذُ الهارب من الدرس الأول،

يسرق زهرتَه الأولى من المقبرة.

الحارسُ يبقى يقظاً،

يُطلقُ صيحة،

الخرنوب العالق بقمصانهم البيض،

يرسم آثَار فوضاهم خطوطاً على أَجسادهم الغضة.

يسرقهم النهار،

وهم يتلذذون بقَطف الأَزهار.

(2)

مخيفٌ هو ليلُ المقبرة،

وفي الصفّ هم غائبون.

بعصاه الغليظةِ،

المعلمُ يتوعد،

بحروفٍ كبيرةٍ،

المراقبُ يكتبُ أَسماءَ الغائبين

يبدأَ المعلمُ الدرسَ،

تلاميذُ المقبرةِ غائبون

تتكررُ الصورةُ،

آثَار الخرنوب،

شوك الخرنوب الناتئ

يعلقُ، ينغرز

يرسمُ لوحةَ دمٍ على قمصانِهم البيض.

(3)

الطريقُ المألوفةُ ذاتُها،

وعلى بياض الصبح،

تنهض المقبرة

الحارسُ يفرك عينيه

خَطونا سريعاً،

الصفُّ بارد،

الممرُّ بارد،

الدرسُ بارد،

المراقبُ يعِدُّ التلاميذ

عصا المعلم،

صراخ الحارس،

أجسادنا مثل الطبل

من شجرة الخرنوب،

كانت العصي،

وكان الشوكُ العالقُ في قمصاننا

هل كان دعاء المقبرة علينا

لنطلبَ المغفرة؟

(4)

حين كبرنا،

في كل صباح نمرُّ

لا وردَ في المقبرة،

لا حارسَ في المقبرة،

حتى الموتى،

لا وردَ يؤنس وحشتهم،

لا حارسَ يسقي صباراتٍ نَمتْ على قبورهم

التلاميذُ،

لا يحشرون أجسادهم هناك

تلاشى السياج، تهدمت القبور،

وظل الخرنوب وحده يعانق ظلالَ المقبرة.

المقدمة :

في زوايا المدن القديمة، حيث يسكن التاريخ بين الحجارة والحدائق المنسية، تكمن مقابر الأطفال الصغار، ليس بوصفها أمكنة للموت، بل كأفق يتسع لكل الذاكرة، لكل الصراخ الخفي، لكل لحظة من الطفولة المسروقة والمختبئة بين الأشواك.

هناك، على سياج المقبرة، تتشابك أغصان الخرنوب كأصابع الزمن التي تلمس الجسد وتترك أثرها على الروح، تاركة بصمة ما بين الحرية والقيود، بين الصمت والصراخ.

التلاميذ هنا ليسوا مجرد أطفال يتلمسون أولى خطوات العلم، بل هم شهود على تجربة وجودية مبكرة، على أول ألم ووعي، على أول تحدٍ للسلطة، وعلى أول درس في الصمود أمام الحياة وقسوتها. في هذا الطريق، يتلاقى الماضي بالحاضر، وينبثق الخرنوب رمزًا وصوتًا، شهادة صامتة على ما لم يُقال، وما لم يُفهم بعد.

في النهاية، تتلاشى المقبرة، ويتبدد الحارس، ويظل الخرنوب وحده، يحرس الذكريات، يدفن السرور والحزن، ويتركنا أمام أسئلة وجودية:

هل نحن أحياء حقًا؟ أم مجرد ظلّ يتكرر في أشواك الخرنوب؟ وعلى هذه الأشواك البيضاء، نقرأ نحن، كيف يصبح الألم قصيدةً، والطفولة لوحةً، وكيف يغدو الصمت صارخًا، والظل شاهدًا، بين خُطانا على ثلج الزمن، وأحلام لم تكتمل.

قراءة فلسفية– سيميائية لنص “عصا الخرنوب”

1. الفضاء الرمزي للمقبرة والخُرنوب

المقبرة في النص ليست مجرد مكان للجثث، بل فضاء رمزي يضم التوتر بين الحياة والموت، الطفولة والنضج، الحرية والرقابة. حضور التلاميذ بين القبور يعكس فعل تمرد على السلطة والفوضى الإنسانية: التلاميذ يمارسون طفولتهم وسط الموت، وكأنهم يختبرون الحدود بين الكائن والغياب، بين الجسد والعدم.

أما الخرنوب، فوجوده على السياج وفي الطريق يشير إلى عنصر الطبيعة الصامدة، الذي يصبح شاهدًا ووسيطًا بين الطفولة والموت، بين الزمن الصاعد والذكريات المتجذرة. الأشواك المتناثرة والخيوط التي تترك آثارها على الأجساد البيضاء تتحول إلى رمز للتجربة الأولى للألم الاجتماعي والتنشئة القاسية، أو لما يمكن أن نسميه “شهادة الجسد على التاريخ النفسي للطفل”.

2 . العنف التربوي كرمزية اجتماعية

الطابع المتكرر للمعلم والحارس والعصا هو تصوير للعنف المنهجي في البنية التعليمية والاجتماعية، لكنه يتجاوز الواقع اليومي ليصبح رمزًا للقمع الذي يُمارس على الروح البشرية في مراحل تكوينها الأولى. كل “صفعة” وكل “صراخ” يعكس محاولة فرض النظام على العفوية الإنسانية، بينما يبقى القلب الطفولي متمردًا، يسرق الزهور ويتنفس الحرية رغم القيد.

3. اللغة السيميائية في النص

• اللون الأبيض للقمصان: رمز للنقاء والبراءة، يتلوث بفعل “آثار الخرنوب” وعنف المعلم، فيصبح لوحة للمعاناة الأولى والمواجهة مع الواقع القاسي. العصي وأشواك الخرنوب: تتحول من عناصر ملموسة إلى رموز للطريقة التي يترك بها التاريخ والسلطة آثارًا على الجسد والذاكرة. غياب التلاميذ في الصف: يشير إلى التناقض بين الحرية المكتشفة والتقيد القسري، ويضع القارئ أمام حالة من “الحضور الغائب” التي تعكس فلسفة الوجود والتجربة الإنسانية.

4.  الزمن والذاكرة والفناء

النص يتتبع التلاميذ من مرحلة الطفولة إلى النضج، ويكشف كيف أن التجربة المبكرة تشكل بصمة على الروح، تمامًا كما يترك الخرنوب أشواكه على القمصان البيضاء.

غياب المقبرة والحراس عند الكبر، وترك الخرنوب وحده، يعكس الفناء النسبي للتقاليد والقوانين البشرية أمام صمود الطبيعة والذاكرة.

المقبرة تتحلل، البشر يتحركون، والزمن يمحو مظاهر السلطة، لكن التجربة والرمز يبقيان، كما يبقى الخرنوب حارسًا صامتًا للذاكرة البشرية.

5. القراءة النقدية الفلسفية

يمكن أن نقرأ النص وفق فلسفة هيغل الوجودية–التاريخية: الإنسان يتشكل وسط ظروفه، يتصارع مع السلطة والمعاناة، ويبني وعيه من رحم الألم والتجربة.

الحضور المتكرر للعنف والفوضى والطبيعة الصامدة يعكس تناقض الإنسان بين الحرية الطبيعية والتقيد الاجتماعي، كما يمكن ربطه بـ فلسفة سارتر حول الوجود والحرية: التلاميذ يعيشون حرية الطفولة وسط قيود مقصودة، ليصبح الألم الأول تجربة وجودية تشكل وعيهم الذاتي، وذاكرة حياتهم.

6.الخاتمة :

وفي النهاية، حين نغادر الطريق المألوف، وتنهار السياجات وتتهاوى القبور، يبقى الخرنوب صامتًا، يعانق الظلال ويحتفظ بأسرار الأطفال الذين مرّوا بين أغصانه.

يبقى الشوك العالق في قمصاننا تذكيرًا بأن كل تجربة ألمّتنا كانت نبراسًا لنضجنا، وأن كل صرخة صمتٍ اختبرت قلوبنا وأرواحنا. فالخُطى تتكرر، والذكريات تتردد بين الأشجار والظلال، لكننا نحمل في داخلنا مقبرةً لا تنتهي، وطفولةً تعيد صياغة الحاضر، وصوتًا صامتًا يهمس لنا: حتى لو غابت المقابر، وحتى لو تهدم الحارس، يبقى ما تعلمناه بين أغصان الخرنوب حيًا، محفورًا فينا، كأننا نصٌ نقرأه كل يوم، فننصت لأشواك الحياة، ونعانق الظلال، ونتلمس الدفء وسط زمهرير العالم.

ويظل الخرنوب صامتًا، يحتضن الظلال  ويهمس في الأجساد الغضة، أشواكُهُ تزرع الصبر فينا، وخطانا المفقودة تكتب على الأرض  قصائد غيابنا، وفي كل صباح، حين ينهض الصمت، نعبر طريق الذكريات، نلمس دفءً لم يُعطَ بعد، ونستمع إلى صدى صوتنا بين أغصان الماضي… هنا، حيث تهدأ المقابر، ويختفي الحارس، يبقى القلب حيًا، يحفر في الظلال، ويكتب للنور… وجوده الأبدي.

التقييم العام للقصيدة والشاعر

القصيدة:

قصيدة “عصا الخرنوب” نص شعري غني بالرمزية والسيمياء، يتجاوز مجرد السرد الواقعي إلى بناء عالم كامل من الذكريات، الألم، والتأمل في تجربة الطفولة والتعليم الصارم. اللغة متناغمة بين السرد الشعوري والشعر النثري، ما يجعل القارئ يتفاعل مع النص بالقلب قبل العقل.

الشاعر حبيب السامر:

شاعر حساس ومبدع، يمتلك قدرة فريدة على تحويل التفاصيل اليومية إلى رموز شعرية غنية بالدلالات. نصوصه تُظهر وعياً فلسفياً واجتماعياً، كما أنها تنبض بالوجدانية والعمق النفسي، وتمنحه حضوراً فريداً في المشهد الشعري المعاصر.

القوة الكبرى للنص:

• المزج بين الواقعية الرمزية والسيميائية، وتصوير الطفولة والتعليم بالوعي النفسي والاجتماعي، قدرة النص على التأثير العاطفي وإثارة التأمل في الإنسان والمجتمع والذاكرة، انسجام الموسيقى الداخلية للقصيدة مع البنية السردية والرمزية.

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان