ثقافية

قصة قصيرة

“رقصةُ الظلّ في كهف الغبار”

علي طعمــة

لم تكن الغرفة مجرد حيز مكاني، بل كانت كهفاً دافئاً ، ومأوىً محشواً بذكريات تكدست حتى اختفت، كل شيء هناك كان يغرق في سكون القّدم ،المكتبة الخشبية المائلة كأنها عجوز نال منه النعاس،الكرسيان العتيقان اللذان شهدا حروب صمت طويلة، الطاولة المستديرة التي تفوح منها رائحة الماضي الرطبة،

فجأة تمزق غشاء الصمت.

صاحت الزوجة وصوتها يتهدج كوترٍ مشدود، تشير بيدٍ مرتجفة نحو أكوام المجلات والصحف الصفراء:

_لقد اختفى هنا…رايته يغوص في الورق.

كان الزوج بوجهٍ محتقنٍ حبس فيه الدماء غضباً واعياءً يهرول خلف ظلها، لم يكونا يطاردان مجرد قارض صغير، بل كانا يطاردان الوحش، الذي تجرأ على اقتحام فقاعتهما الزمنية، تحولت الغرفة في لحظات إلى ساحة معركة، الأثاث الثقيل، الذي كان يوماً شاهداًعلى الحنان، بات الآن عوائق حجرية في طريق المطاردة.

استمرت المعركة دقائق بدت كدهرٍ لزجٍ،ركض الزوج، اندفع، تعثر بظلهٍ ،ثم خانه جسده المترهل فسقط وسط الغرفة بضجيج ٍمكتوم ،فاغرا فاه يلهث كسمكةٍ قذفت بوحشية خارج الماء.

_ماذا سنفعل الآن؟ سأل بصوت مبحوح . اجابته الزوجة بيقين غريزي وهي تحاول ألتقاط انفاسها:

_في النهاية..سنجده، لا مفر له.

حاول الزوج بدافع من يأس، أن يفرغ المكتبة من احشائها الورقية، فصرخت به زوجته مستنكرة:

_هل جننت؟ستدمر ماتبقى.

وبينما هو يقلب التاريخ المتراكم غباراُ بين المجلدات والمناديل والاوراق المنسية، انفجر فيه بركان اللوم،متخذا من الفأر ذريعة لجّلد الذات والآخر:

_انت السبب، انظري من حولك..لماذا هذه الاحذية العفنة هنا؟ وتلك الأواني التي نسيها الماء؟ وهذه الملابس التي أكلها العث..لقد حولت ملاذنا إلى وليمة للحشرات والجرذان!

لم تسطيع الرد فوراً، كانت رئتاها تجاهدان في ترتيب الهواء،بينما واصل صراخه الذي بدأ يبتعد عن الغرفة ليطال العالم الخارجي:

_لقد اصبح المكان بيئة حاضنة للقبح، تماما كحياتنا. ردت ببرود مستفز:

_أتمنى أن نتخلص من القديم.

_هيا..افعلي ماذا تنتظرين؟

_ولمّ لا تفعل أنت ذلك؟

توقف لحظة رمقها بنظرة حادة ثم قال بمرارة:

_ أيتها الثرثارة هل نسيت من أكون؟أنا موظف لا يملك في جيبه سوى راتب هزيل..لست ممن يمد يده للحرام، لست مرتشياً ولا لصاً لأجدد أثاث العالم !

تمتمت الزوجة بتهكم مرير:

_هذا..لأنك موظف شريف أليس كذلك؟

هنا،  أطلق الزوج ضحكة هستيرية، ضحكةً بدت وكأنها شرخ في جدار:

_شريف؟ يالها من نبرة غريبة في هذا الزمن ، العلمين في هذا العصر الصعب، حتى الموظف الشريف بات لصاً بارعاً ،لكنه يسرق الوقت،أغلب الموظفون يهدرون ساعات العمل في  المكالمات الهاتفية ومضغ الطعام وفي شرب الشاي، وحتى في التعبد الطويل، لم يعد المدير، ذلك الكرش المنفوخ الذي يخشاه الجميع ،ولم يعد الراتب يكفي لمنتصف الشهر لولا تلك اللأعيب والحيل..أما أنا؟ أنا لم أعد سوى توقيع بارد في دفتر حضور مهترئ، وجسدٍ خاوٍ يعاني التهميش لأنني لا أجيد الرقص مع الذئاب.

صمت قليلا، ثم ربط الخيوط ببعضها في لحظة تجل غريبة:

_لهذا يجب درج هذا الوحش الصغير المختبئ هنا ضمن قائمة الفاسدين الكبار. سالته باستغراب قد هدأت العاصفة قليلا:

_ولماذا تبدو السيطرة على هذا الفساد مستحيلة ؟ اجابها وعيناه معلقتان بسقف الغرفة الكئيب:

_ لأنه كائن خرافي متعدد الرؤوس..كلما قطعوا له رأساً،نبت مكانه آخر أشد شراسة..وهكذا تتبخر المليارات في الهواء، تماماًكما تبخر هذا الفأر بين الأثاث.

_ وهل هذه هي النقطة التي تضرب أعماق اقتصادنا؟ قالتها ببرود قاتل حين تغلب عليها النعاس.

_بلى..وهذه حقيقة يحاول الكثير اخفائها، لا أحد يريد سماعها لأنهم يسمعون جيوبهم فقط، هل عرفتي كيف يتجذر الفساد في حياتنا كهذا الوحش، والى حيث يمتد في دوائر ومؤسسات لا انتاج لها ،وذلك الأمر يجر البلاد الى الهاوية.

 مضت لحظات، ساد الصمت ثقيلاً، كأن الغبار أستقر أخيراً، في كل جهة، قطعت الزوجة حبل السكون بصوت عملي:

_لدي فكرة للخلاص .

_ماهي؟

_المصيدة.

_ ظننت  شيئا آخر..

_سأحضر المصيدة، وأضع فيها قطعة من الجبن وقليل من رذاذ الفلفل، نهضت وكأنها ترسم خطة حرب:

_أظن أن هذا كاف لاستقطابه ،

سنضع الفخ هنا ،ونجلس ننتظر..

ثم طرحت عليه سؤالا  مباشراًً:

لو وقع في الفخ ماذا ستفعل به؟ نظر الزوج إلى يديه المرتعشتين ثم الى الفوضى من حوله واجاب بصوت خافت يحمل كل تعب السنين:

_ساصلخ جلده وامزق احشائه ،ساضربه حتى يموت.

صرخت الزوجة:

_ما هذه القسوة؟

_هل تطلبين مني أن ارحمه؟انه يفتك بالاثاث والملابس والكتب، أنه وحش لعين..

اتكأت هي على طرف الطاولة، أخذتها غفوة خفيفة تاركةً زوجها وحيداً في انتظاره السقيم، ينظر الى المصيدة ثم الى الظلام الذي ابتلع الوحش والى الساعة المعلقة على جدار الغرفة وكأنها الموظف الذي يسرق الوقت والجهد وسط فوضى متراكمة،وعبث يتغذى من الأثاث والمكتبة والكراسي والطاولة ، ولمرات عديدة يطرح على نفسه الأسئلة :

هل أواجه هذا العبث بابتسامة باردة؟  هل يجب أن اتجاهل وجوده واطوي خبره كما اطوي ملف فساد كبير؟هل أقطع راس هذه الفكرة وأنام قليلاً ؟ فالمصيدة لا يفتح لها باباً من فرط التوقع والاحتمال والأمل، ففي كل يوم سيقتحم حياتنا وحش ولا نعثر عليه، هل ابقى يقظاً حتى الصباح في غرفة اعتراف بلا كاهن؟اقول كلمة صدق عند الحاجة، وهكذا مضت الساعات وسط ركام الذكريات والأسئلة التي يلفها الليل وهو يحدق في الفراغ بانتظار صوت طرق المصيدة وبانتظار عدالة صغيرة قد تأتي وقد لا تأتي ابداً.

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان