ثقافية

بين رصاصتين.. مقارنة بين سلوكين … بين الجنة والنار حميد الحريزي

تدور أحداث رواية (بين رصاصتين) في قصبة حضرية صغيرة في جنوب العراق، وقد تشير إلى المدينة الأهوارية الجنوبية الصغيرة (الفهود)، التي تبعد نحو سبعين كيلومتراً عن مركز مدينة الناصرية. هذه المدينة الصغيرة ـ ذات الشارع الواحد ـ في عهد الزعيم الشهيد عبد الكريم قاسم، عشتُ فيها لأكثر من سنتين في سبعينيات القرن العشرين، وكانت عبارة عن جزيرة تحيط بها مياه الأهوار من كل جانب، قبل أن يُقدم صدام حسين على تجفيف الأهوار في حرب القادسية.

رباح وجاسر صديقان حميمان منذ طفولتهما، ينتميان إلى عائلتين متجاورتين في منطقة واحدة. كلاهما فقد والديه؛ فـ(رباح) بقي وحيداً مع أخواته، بينما بقي (جاسر) وحيداً برفقة جدته الحنونة.

قررا ترك المدرسة بسبب فقر الحال، وسوء تصرّف المعلم (جويسم)، الجاهل بأساليب التدريس العلمي والعملي المطلوب اتباعها في المدارس، من حيث احترام الطلبة، وتفهّم مشاكلهم، ومتابعة سلوكياتهم؛ فالمعلم مسؤول عن التربية والتعليم معاً، ولا يقتصر دوره على أحدهما دون الآخر.

من خلال الحوارات بين الصديقين، استعرض الروائي سلوكيات العديد من أفراد النسيج الاجتماعي في المدينة، مثل صديقهم الذي انتحر بسبب ما حدث له مع الشاذ الشرير، وحجي عارف صاحب محل «الفايد» المرابي، وطالب صاحب علوة المخضر، والشاب جعفر الذي يمارس المتاجرة بالمخدرات، وقد استغفل جاسر ليعمل معه، ثم ليموت لاحقاً برصاصة الشرطة بعد أن أُخبر عنه، إثر اكتشاف جاسر لحقيقته وقراره فضحه. كما قدّم شخصية بائع الخضرة النبه، الذي أشار إلى مشبوهية الشاب المتخفي تحت عنوان محل صرافة.

وتكشف الرواية المدى المؤلم الذي وصل إليه كثير من الناس في النفاق الاجتماعي والزيف، ولا سيما أدعياء الدين والتديّن من الشاذين والمرابين وتجار المخدرات. فقد تبرع تاجر المخدرات جعفر بكامل نفقات تعمير الجامع! في الوقت الذي كان فيه رباح يحسب خطواته بدقة، ويتجنب الوقوع في الشبهات، ونتيجة إحساسه بالواجب الوطني والإنساني، إضافة إلى حاجته إلى المال، تطوّع في الجيش الشعبي دفاعاً عن أسرته وداره ووطنه ومبادئه، ضد عدوان ووحشية الدواعش ومن لفّ لفهم، كما قال ذلك لجاسر.

غير أن جاسر لم يكن مقتنعاً تماماً، إذ كان يرى أن الحشد يُستغل للدفاع عن العديد من الفاسدين والمرابين وأدعياء التديّن. فارتضى العمل في مكتب الصراف، الذي كان سخياً معه في منحه المال، وكان ذلك بمثابة فخٍّ لاصطياده وتوظيفه في تهريب المخدرات. وقد نجح الصراف في إرساله أول مرة بمهمة إلى بغداد، لكنه تمكّن من كشفه في المرة الثانية. فعل جاسر كل ذلك ليكون الحارس والراعي لجدته، ولأخوات رباح اليتيمات، وليوفّر لهن احتياجاتهن المعيشية والدراسية.

تمكّن الروائي من تقديم لوحة بانورامية لمجتمع مدينته، والغوص في دواخل الكثير من الشخصيات، مركزاً على نزاهة ونُبل وصفاء العلاقة الأخوية الإنسانية الطهرانية بين رباح وجاسر، حتى يوم مقتلهما؛ إذ قُتل رباح على أيدي الإرهابيين شهيداً، فيما قُتل جاسر على أيدي الشرطة لتورطه في قضية المخدرات.

كان طريق رباح إلى الجنة مكرّماً معزّزاً، تحيط به الملائكة وحور العين، في حين يُساق جاسر إلى النار نتيجة استغفاله من قبل تاجر المخدرات، مع أنه كان غيوراً نبيلاً، مضحياً وصادقاً في علاقته بعائلة رباح طوال سنين تعارفهما. وبأسلوب وصفي عالِ الشعرية، صوّر لنا الروائي لقاء جاسر برباح يوم الحساب، وحواراتهما التي كشفت الكثير من الأسرار والأعمال الخيّرة التي قام بها جاسر حبّاً بصديقه ورفيق عمره رباح، لكنه، على الرغم من ذلك، يُساق إلى النار.

كما كان الروائي مبدعاً في توصيف النسيج الاجتماعي للمدينة الصغيرة، وألقى الضوء على مختلف السلوكيات، وهيمنة الناس المتزلفين المنافقين، وماسحي الأكتاف، والمرابين، والشواذ، على الثروة والمال والمناصب العليا في الحكومة، مثل جويسم الذي أصبح مديراً عاماً للتربية، وحجي السعد الحزبي الذي كان مرشحاً للانتخابات، وينفق من أموال الشعب التي سرقها حزبه مع بقية الأحزاب الفاسدة الحاكمة.

كل ذلك جعل رواية (بين رصاصتين) رواية رشيقة، خفيفة الظل، ممتعة للقارئ، إذ ترتسم في مخيلته صورة متكاملة عن المجتمع والمنطقة عموماً، وتقدّم دروساً رائعة في أساليب التربية والتعليم الصحيحة، إضافة إلى دروس في التعامل مع مختلف الشخصيات والسلوكيات. ومن ميزات الرواية أن أحداثها تتناول الحاضر ما بعد إسقاط الدكتاتورية، وهو زمن كُتب عنه الكثير، لكنها تركز على الزمن «الديمقراطي» الراهن، المرتدي رداء التديّن و(الدين)، في وقت استشرى فيه الفساد والغش والنفاق والثعلبة من قبل أغلب المتنفذين في شؤون الحكومة والناس، مما يمنح الرواية والروائي صفة الفطنة، والتفكر في الواقع الحاضر المعاش، وعدم الاستغراق في الماضي.

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان