ثقافية

قصص قصيرة جدا

حسين بن قرين درمشاكي

الخيّاط

​في القاعةِ الفسيحة، المقصُّ الدولي ينهشُ الخرائط.

الخياطُ ببدلته الأنيقة، لا يهمه لونُ القماش. همُّه الوحيد: ضبطُ “زاويةِ الانحناء”.

​على الطاولةِ، جثتان: ثائرٌ لُفَّ بكفنِ الطائفة. تابعٌ طُليَ بماءِ الذهب.

همسَ المساعد:

— سيدي، هذا المصلي يختلفُ عنا في حركةِ يدِه وهو يركع!

لم يلتفت الخياط. كان يراقبُ يده الأخرى.. التي تقبضُ على الزنادِ دفاعاً عن “القدس”.

​أغلقَ الخياطُ الستارة. قال ببرود:

— “لا تهمنا يده التي ترفعُ للسماء. المشكلة في التي ترفضُ المصافحةَ تحت الطاولة. لو فتحَ لنا باباً في السفارة، لقلنا إنَّ صلاتَه هي أصلُ الإيمان.”

​في الركنِ المظلم، ممرضةٌ تحقنُ الناسَ بالوهم. “منقذٌ” يخطبُ في الفراغ.

استيقظَ السجين. وجدَ أنَّ القضبانَ ليست سوى حبرٍ على ورق. والقفلُ.. صُنعَ في “واشنطن”.

استيطان

​رسمَ على جدارِ قلبِها خريطةً. خلعَ معطفَ قلقهِ. ألقى مفاتيحَ رحيله في بئرِ وعودِها. قال: أنتِ وطني.

​غفتْ. شرعَ في حزمِ حقائبهِ بصمت. استحالَ فيضُ حنانها مرفأ طوارئ. في عمقِ ثباتها رأى منفًى يخشى أن تبتلعهُ أسواره.

​فجراً، مضى.. تاركاً خلفه وطناً كاملاً، يبحثُ في ركامِ الخيبة عن لاجئٍ أضاع ملامحه.

صلاةُ الظل

​أطال السجود حتى بلّل عرقُه الرخام. خلف الباب، كانت يدُ يتيمٍ تلمسُ جدارَ المسجدِ البارد.

​خرج المصلي يمسحُ جبهتَهُ بعطرٍ طيب. تعثرَ بالصغيرِ القابعِ عند العتبة. نهرَهُ: “ابتعد.. لا تلوث ثيابي!”.

​مضى يزهو بصلاته؛ بينما السماءُ ترقبُ دمعةً سقطت من عينِ اليتيم.. لتغسلَ بها خطيئةَ السجدة، وقسوةَ القلب.

عزف مالح

​على حافةِ الميناءِ المهجور، تركَ الراحلون قنديلاً يرتعشُ في كفِّ العتمة.

بسطَ “عجوزُ البحرِ” كفيه؛ شقوقُهما تضجُّ ببلوراتِ الملح. كلما حكَّ جرحاً بآخر، تصاعدَ صريرٌ يشبهُ الغناء.

انحنى فوقَ الحوضِ الرخاميِّ. الماءُ ساكنٌ كجثة، يعكسُ سماءً خاليةً إلا من شروده.

حين انطفأ الضوءُ، لم يذعر. مدَّ يدهُ. قبضَ على ملامحه. غرقَ الغيابُ في التيه.

تفرّدَ نشيدُ الملح.

نبوءة الرخام

​عشرون عاماً.. والنافذةُ حِكرٌ على عصفور.

​شاخَ السجانُ. ترهّلَ مفتاحُه. أكلَ الصدأُ مفاصلَه..

أما هو، فكان يغمسُ الروحَ في “أنينِ الطين”؛ يشيدُ على الجدارِ مداه.

​في الصباحِ العشرين، صرّ البابُ عن دهشة: الزنزانةُ قفر!

لا شيءَ سوى نصٍّ رخاميٍّ يفوحُ بالرماد. عصفورٍ ينفضُ الكلماتِ عن جناحيهِ.. ويمضي.

عِناق ميت

​على السرير رقم (4)، لم يكن يئن. ينطفئ بهدوء.

دخل السجان. بقسوة المعتاد، سحب يده التي استحالت غصناً يابساً. أغلق الأصفاد.

افتقر الحديدُ للحم يضغط عليه؛ استقرّ مباشرة فوق العظم.

قال الطبيب بصوت خافت: «إنه يموت.. ارحموه قليلًا».

ردّ السجان ببرود: «التعليمات لا تعرف الموت».

فجراً، رحلت روحه.

بقي جسده النحيل مكبلاً.

جاءوا لنقله. انفجرت الصدمة:

الأصفاد منعت جسده من التحلل.

 تـقـطـيـر

​المطرُ يقرعُ الزجاجَ.

على الطاولةِ ورقةٌ بيضاءُ، وسيجارةٌ تحترقُ في صمتٍ.

خلف البابِ الموصدِ، تموءُ الهرةُ لظلٍّ صغيرٍ عَبَرَ من تحتِ الشقِّ.

مدَّ يدهُ ليقبضَ على كفٍّ ناعمةٍ كانت تداعبُ شعرَهُ..

لكنَّ أصابعَهُ لم تلمسْ سوى الدخانِ.

انطفأتِ السيجارةُ،

استحالَ وجهُ الحبيبةِ إلى بخارٍ عالقٍ على النافذةِ،

وبقيت الهرةُ تخدشُ الفراغَ.

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان