ثقافية

ملحمة الأرقام: حين يتحوّل السرد إلى أثر، وتستعيد الذاكرة السومرية صوتها الأخير!!

طالب كريم

تُقرأ «ملحمة الأرقام» لا نصٍّ قصصي، ولا مجموعة، ولا حتى كتاب، بل سرديٍّ واحد، يتنفس عبر شقوق متعددة، يعيد تعريف معنى الحكاية في زمن ما بعد الأنواع. ما ينجزه شوقي كريم حسن  ليس كتابة عن سومر، ولا استعادة لمخيالها، بل استدعاء لآلية اشتغالها العميقة: الذاكرة بوصفها رقمًا، والرقم بوصفه أثرًا، والأثر بوصفه سردًا لم يكتمل ولن يكتمل. إن السارد في هذه المسرودات لا يقف خارج النص، ولا يطلّ عليه من علٍ، بل ينغمس فيه بوصفه جزءًا من مادته، كأن الكتابة نفسها فعل تنقيب أركيولوجي، لا يبحث عن الحقيقة، بل عن بقاياها، عن كسورها، عن تلك الشروخ التي تجعل الذاكرة ممكنة للقراءة.لا تتقدّم النصوص في خط سردي متصل، ولا تسعى إلى حبكة أو ذروة أو حلّ، بل تتحرك وفق منطق التراكم، كما تتحرك الطبقات الأرضية في مواقع الحفر القديمة: طبقة فوق أخرى، زمن فوق زمن، صوت يعلو ثم يختفي ليترك أثره لا حضوره. هنا، لا يُروى الحدث بقدر ما يُستدعى صداه، ولا تُقدَّم الشخصية بوصفها كيانًا مكتملًا، بل كعلامة، كأثر إنساني عابر، كرقم داخل معادلة كونية أكبر. بهذا المعنى، فإن الإنسان في «ملحمة الأرقام» ليس مركز السرد، بل أحد عناصره، يتساوى مع الحجر، والرقم، والطقس، والصمت.تنبع غرابة هذه المسرودات من كونها لا تستجيب لتوقع القارئ، ولا تسعى إلى إغرائه بالمعنى الجاهز أو الدلالة الواضحة. اللغة هنا ليست وسيلة، بل بنية فكرية، كثيفة، مواربة، مشحونة بإيقاع داخلي يقترب أحيانًا من الموسيقى، وأحيانًا من التعاويذ، وأحيانًا من النص المسرحي الذي يُقال ليُسمع لا ليُفهم بالكامل. إن تداخل السرد بالمسرح والموسيقى والشعر لا يأتي بوصفه زخرفة شكلية، بل كضرورة نابعة من طبيعة التجربة نفسها؛ فالنص الذي يحفر في ذاكرة سومر لا يمكن أن يُقال بصوت واحد، ولا بلغة واحدة، ولا بجنس واحد.في هذه المجموعة، يبدو الزمن مفككًا، غير خاضع للترتيب، حاضرًا بوصفه كتلة واحدة، لا ماضٍ ولا حاضر ولا مستقبل، بل آنٌ دائم يتكرر بصيغ مختلفة. وهذا التفكيك الزمني ليس لعبة شكلية، بل تعبير عن وعي مأزوم بالمنفى، بالكتابة خارج المكان الأول، خارج العراق، حيث تصبح الذاكرة هي الوطن الوحيد الممكن، ويغدو النص محاولة لإعادة بناء هذا الوطن لا جغرافيًا، بل رمزيًا، لغويًا، تخييليًا. لذلك يمكن القول إن «ملحمة الأرقام» هي من أهم ما كتب شوقي كريم حسن خارج العراق، لأنها لا تكتب عن الخارج، بل تكتب من موقع القطيعة نفسها، من الشرخ، من الفقد.ما يميّز هذه المسرودات أيضًا أنها لا تمنح القارئ دور المتلقي السلبي، بل تجبره على المشاركة في إنتاج المعنى. النص لا يشرح نفسه، لا يفسر إشاراته، لا يقدّم مفاتيحه، بل يترك فراغات مقصودة، مساحات صمت، بياضات فكرية، على القارئ أن يملأها أو يعترف بعجزه أمامها. وهنا تكمن قوة المجموعة: في أنها لا تسعى إلى الإقناع، بل إلى زعزعة اليقين، لا إلى المتعة السريعة، بل إلى القلق المنتج.إن «ملحمة الأرقام» عمل يتجاوز فكرة الإنجاز الأدبي إلى فكرة المغامرة المعرفية. نصٌّ يضع السرد العربي أمام امتحان حقيقي: هل ما زلنا قادرين على كتابة نصوص لا تشبه ما قبلها؟ هل يمكن للتراث أن يكون مادة تفجير لا مادة تزيين؟ هل يمكن للرقم، ذلك الرمز البارد، أن يتحول إلى كائن حي، نابض، مؤلم؟

شوقي كريم حسن يجيب على هذه الأسئلة لا بالتنظير، بل بالفعل الكتابي نفسه، بكتابة جريئة، عصيّة، عالية المخاطرة، تعرف أنها لن تكون سهلة، لكنها تدرك أن السهولة ليست فضيلة حين يتعلق الأمر بإعادة اختراع السرد. «ملحمة الأرقام» ليست كتابًا يُغلق، بل أثرًا يُترك مفتوحًا، مثل لوح سومري مكسور، نقرأه لا لنفهمه كاملًا، بل لنشعر بأن شيئًا ما في ذاكرتنا قد استيقظ، وأن الحكاية، مهما تقطعت، لم تنقطع يومًا.ويستيقظ هذا الشيء لا بوصفه حنينًا ساذجًا إلى أصل مفقود، بل كوعيٍ جارح بأن الأصل نفسه لم يكن يومًا مكتملًا. فالسرد في «ملحمة الأرقام» لا يبحث عن لحظة تأسيس نقية، ولا عن بداية يمكن الاتكاء عليها، بل يعترف منذ اللحظة الأولى بأن الحكاية وُلدت مشروخة، وأن ما نملكه ليس التاريخ، بل رواسبه. من هنا، يتبدّى الاشتغال على سومر لا كاستعادة حضارية، بل كمرآة لراهن عربي مأزوم، حيث تتكرر المأساة بصيغ مختلفة، وحيث يُعاد إنتاج العنف، الفقد، والانكسار، كما لو كانت أرقامًا في سلسلة لا نهائية.اللغة، في هذا السياق، لا تهدف إلى الإيضاح، بل إلى الكشف عبر الإخفاء. إنها لغة تتقدّم وتتراجع في آن، تحتشد بالاستعارات دون أن تستقر فيها، وتلمّح أكثر مما تصرّح، كأنها تخشى أن يؤدي الوضوح إلى خيانة التجربة. هذا التوتر اللغوي يمنح النص كثافته الخاصة، ويجعل القراءة فعل مقاومة لا استهلاك. فالقارئ هنا لا يتلقّى المعنى جاهزًا، بل يُستدرج إلى منطقة التباس منتج، حيث يتحول الفهم إلى تجربة شخصية، لا نتيجة نهائية.

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان