علي لفته سعيد
الجزء الاول
قيل عن الرواية إنها (كيس منفوخ تضع فيه أي شيء) كون مادتها قابلة لامتصاص ما يدور وما يمكن ان يحدث او يؤثر او يشير او يفسر في المحيط ,وبالتالي الإحاطة بعناصر الصراع من جوانبه المتعددة , ومن خلال توظيف السرد او توظيفها في خدمة السرد. وقيل في حداثتها ، او قيل عن الرواية الحديثة.. انها (لا قواعد لها.. مفتوحة الابواب والنوافذ على الاشكال والصراعات ممكنة الحدوث التي يراها الروائي غير محددة الاطر) أي ليس لها وازع وليس لها تسلسل منطقي . بمعنى ان السرد الحديث , يضع قوالبه في المكان الذي يريده الكاتب لا الذي يريده السرد المنطقي . وبالتالي فان المادة ,هنا قابلة لامتصاص ما يدور في ذهن الكاتب من اجل الوصول الى خلخلة ما هو متعارف عليه لإنتاج شكل جديد له صلاحية مشاغلة القارئ واستغلال طاقاته القرائية للوصول الى فهم القصد وهضم المعنى والحصول على (الكم) الفلسفي .. لان القراءة ما عادت مادة لقتل الفراغ او انها درس تعليمي . ولان الرواية حسب تعريفها الذي جاء في كتاب صنعة الرواية .. انها (فن خيالي نثري او حكاية ذات طول معين تصور فيها شخصيات او افعال تمثل الحياة الحقيقية للماضي او الحاضر على شكل حبكة ذات تعقيد ما). من هنا.. فان السؤال الذي يبرز ..ما هو الفرق بين عناصر الروايتين ..من ناحية استلهام روح التعريف من جهة وما يريده القارئ من جهة اخرى ؟ وأين تكمن عناصر الاختلاف ؟ ان الاجابة ستجعلنا نراجع (اجندتنا) بهدوء فنجد..ان عناصر السرد او لنقل مكونات الرواية .. تكاد تكون واحدة ..إذ لابد من توافر المكان والزمان والشخصيات والصور والصراع والحوار.. وبالتالي وجود ( تفسير) ظاهر او مضمر لقصدية اختيار الموضوعة .. حتى لو كانت نسب هذه المكونات متفاوتة او مجزاة.. من اجل الوصول الى المعالم الرئيسة لفهم المغزى المستور وغيره مما يبحث عنه القارئ . إذا أين الاختلاف بين ان اتكون الرواية عبارة عن كيس منفوخ وبين ان تكون لا قواعد لها وليس لها تسلسل منطقي؟ اذا كان السؤال موجها الى القارئ . فان الاجابة التي يبحث عنها هي.. ان الحداثة عنده تختلف بدرجة ما عن الحداثة التي جاء بها النقاد , الذين طوروا مفهوم الحداثة الى مفهوم ما بعد الحداثة وداثة ما بعد الحداثة وحداثات ما بعد الحداثات وجعلوه مصطلحا لم تحدد اصوله بعد . لان التجريب والتجديد هما من اهم مشكلات الحداثة . وهما ينموان بصورة طردية بين عصر الكاتب وعصر القارئ . فكلاهما يعيشان في وقت واحد . لذلك نرى ان الزمن السابق للقارئ, أي زمن الكتابة, دائما يكون تحت ميزان التحليل المستمر بقوة تعادل اضعاف عصر القارئ الموافق لزمن الكتابة . لذلك .. فان مفهوم الحداثة يعده النقاد مفهوما نقديا او فكريا وجاء (لتخليص الانسان من اوهامه وتحريره من قيوده وتفسيره للكون تفسيرا عقلانيا واعيا). ولان هذه هي الغاية الاساسية فقد جعلوه في حالة تقاطع .. لأنه (لا يتم ما لم يقطع الانسان صلته بالماضي ويهتم باللحظة الراهنة العابرة أي بالتجربة الانسانية كما هي في لحظتها الانية ). ومن خلال النظر الى هذا المفهوم وربطه بالإنتاج الروائي وبالتعريف الثاني انف الذكر فان استخلاص المغزى يؤدي الى ان ليس هناك ثابت دائما يحكم التحول وبالتالي فان التفسير العقلاني لابد ان ينحاز الى وجه من وجوه الانتاج الثقافي . وبنظرة اخرى الى هذا المفهوم نجده ينادي (بعدم ثبات المعنى وعدم جوهريته ,فلا شيء تحت السطح سوى السطح) . من هنا نتساءل ايضا..هل الرواية الحديثة على وفق هذا المفهوم وعلى وفق إطلاق التسمية عليها على انها رواية حداثوية او إنها تنتمي الى الرواية الجديدة , لا تهتم بالعمق وبعدم ثبات المعنى الذي تألفت منه اصلا ؟ ان الشروع بان هذه الرواية قد حددها كاتبها سلفا على كونه يريد لها ان تكون على وفق هذا المنظور وحتى على وفق التعريف الثاني , الذي يعده بعضهم تقليديا او كلاسيكيا لا يؤدي إلا الى الرتابة لأنه سيستخدم ادوات سردية مملة ..هي عملية قتل الرواية نفسها .. لان هذا سيؤدي الى احباط القارئ ..









