ثقافية

الفلسفــة التــي تدعونــا الـــى الضحــك

ما الذي يمكن أن نطلقه على الفيلم القصير، وكيف يمكن أن يتعامل مخرج ما مع دقائق معدودات، ليقدم لنا فيلما يحوي جميع اشتراطات الفيلم الروائي، حكاية متماسكة، حبكة مشغولة بدقة ومهارة ، كاميرا تتحرك وفقا لرؤية صانع الفيلم، توظيف ساحر وأخاذ لعناصر اللغة السينمائية من صوت ولون وحوار، وتوظيف دلالي واضح يصل بالحكاية إلى فهم المتلقي ببساطة، حاملا رسالة يحتاجها الجميع، وتقبلها أو رفضها يتبعان ثقافة ووعي وايديولوجيا المشاهد من خلال الإسقاط الفكري والمعرفي والثقافي عليها. 

 
أبراهيم محمود / الجزء الاول
عبر مختلف مراحل التاريخ: الشفاهي منه والمدوَّن، كانت الفلسفة تمارس دور القاتل لمجمل الذين احترفوها أو عايشوها. لم تكن تتردد في تقرير المصير المأسوي للمعنى بها وهو الذي يهبها كامل وقته غاضَّاً الطرف كثيراً عما يمكن أن يحصل له. لقد كانت بطريقتها تلك تظهِر ولا تزال، الحقيقة الكبرى لها وهي أنها : قاتلة، ولا مناص من أن تقتل أو تكون سبباً لهذا الذي يريد أن يكون فيلسوفاً، ولعلها بالطريقة هذه كانت مخلصة لاسمها، فقتلها لم يكن ولن يكون جريمة بحق المجتمع الذي يعيش فيه، إنما هو قصاص المأهول بالفلسفة، والذي كان يتناسب بعنفه وما كان يأتي على يديه من اختلاف. ربما من هذا المنظور، يتم التعامل مع الفلسفة بوصفها آثمة، أو محرّضة على ارتكاب الموبقات والعصيان. ولعل الذين عايشوا هذا النوع الاستثنائي من “القتل” كانوا مدرِكين لحقيقة الموضوع: القضية، لأن الخطأ كان البذرة الأولى للبحث عن الحقيقة، إن انطلقنا من التصور الديني للإنسان: الاقتراب من الشجرة “الطوطم” الإلهي، وتناول ثمرتها، كما لو أن المعرفة لا تتم دون تثبيت “جريمة ما”، وأن الخطأ ذاك هو الذي أعلَم مرتكبه نوعية المسافة بينه وبين المفارق له إلهياً، بقدر ما قرَّبه من مفهوم الشجرة الدالة على الحياة وما تخفيه، ولولا النسَب الشجري للإنسان لما رغب فيها. هل أكون ممهّداً لجنوح ما، إن أنا قلت: إن الفلسفة في أصلها امرأة؟ امرأة جميلة، باهرة، قادرة على الإغواء دون أن تمكّن أحداً من أن يراودها عن نفسها بسهولة . قد يكون ذلك مدعاة للطرافة أو الضحك. ليكن ذلك ! أوليس الضحك هو المدخل إلى الوجود ؟ أن نضحك هو أن نمضي على وجودنا ونؤكّد تنوعنا، إن لكل منا ضحكته الخاصة، وعبر هذا الضحك يمكننا التفاعل. فمنزوع الضحك شبيه القمقم، ولا أخالني بعيداً عن الصواب إن اعتبرت ما قامت به حوّاء كان تمهيداً لتاريخ الفلسفة: معاينتها للشجرة وما تعنيه الثمرة لها، ومن ثم قطافها وتذوقها من قبلها، والدفع بآدم: الرجل، أن يشاطرها هذا “الإثم” الجميل، إنها ملهمة الضحك، مساره، بدعته. ولا أدري نوع الإقدام الذي تميَّزت به، وهي تضحك في مواجهة الجهامة للإله اللامرئي، ونوع التردد والتخوف الذي عرِف به آدم، والمتخوف من الضحك كثيراً، سوى أن الذي أشدّد عليه هو أن “أمنا” حواء هي المدشنة الأولى للفلسفة: لقد أدهشتها صورة الشجرة الإلهية، فدفعتها الرغبة لأن تعيش لحظة ارتكاب الإثم الأول والذي يحمل دمغتها، لتكون هي ذاتها الشجرة والثمرة: دالة الحياة. إن المفهوم “الأمّي” للفلسفة يرقى بها إلى المستوى الذي تحنو على كل “أبنائها” في الوقت الذي لا يكف “الأب” عن الانسياق وراء نزواته أو شهواته الخاصة. إن الفيلسوف يطارد في كتابته شبح الأب المتردد والمتقاعس لأنه لم يشأ أن يجعل من نفسه – على الأقل- شريكاً فعلياً للمرأة الأولى في ارتكاب الإثم، وليسمّي الحقيقة بطريقته. الفيلسوف يضحك استجابة لبذرة حوائية، يضحك لأن ثمة محفزاً حياتياً، والضحك اقتصاد الوفرة في محاورة الآخر. بين اعتبار الفلسفة امرأة متجددة، هي حواء تعيد دورياً المغامرة الأولى في التحدي المرسوم، للدخول في نطاق التاريخ الإنساني أرضياً، ورجلاً لا يخفي حسده من جرأتها تلك، ومحاولته المستمرة حيازتها بصفته الأب، وما في ذلك من شقاقات وخلافات، تعيش الفلسفة تاريخها الخاص، أعني سيرتها الجامعية بين المرئي واللامرئي، لكنها، وهي في هذا المعتمَد السّيري، يصعب علينا تجاهل الدم المسفوك، باسم الحقيقة وبسببها، وفي كل عملية قتل، تنبعث صورة أو هيئة أو خاصية جديدة للفلسفة بسؤالها المتعدي للتاريخ، وهذا يذكّرنا بقلق نيتشه بصدد علاقة المرأة بالحقيقة، وهذه لا تنفصل عن تاريخ يستحيل الفصل بينه وبينها، أي استدعاء الحياة ( المرأة التي تعيش تحولات من الداخل، وكأنها الكائن اللامرئي، الكائن الشديد جاذبية وإغراء، ومن الداخل لا يُعرف عنها إلا القليل، والحقيقة التي لا تُعاين، إنما تكون متحولة )  
 

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان