طفولة تتشبَّث بسنبلة (نصوص تحت مطر العزلة) طالب كريم
عن سلسلة “” شعر التي تصدرها دار الشؤون الثقافية العامة / وزارة الثقافة والسياحة والآثار صدرت حديثاً للشاعر طالب حسن مجموعته الشعرية الجديدة الموسومة ” طفولة تتشبَّث بسنبلة ” (نصوص تحت مطر العزلة). في اللحظة التي تتشبَّث فيها الطفولة بسنبلة، لاتكون قد أمسكت بزرع فحسب، بل تمسكت بخيط رفيع يربط بين الفقد والرجاء، بين صمت الأرض وهمس السماء. هكذا يطلّ علينا الشاعر المتميز طالب حسن بمجموعته الشعرية ” طفولة تتشبَّث بسنبلة ” نصوص تحت مطر العزلة. عنوان يحمل في طياته مفارقة شعرية دقيقة، فالطفولة هنا ليست براءة عابرة، والسنبلة ليس مشهداً ريفياً عابراً والمطر ليس مجرد طقس، بل هو عزلة تتهاطل على الروح فتغسلها وتوقظها في آن. المجموعة تنتمي إلى سلالة القصيدة المقطعية القصيرة، ذلك الشكل الذي وجد صداه في تجارب عالمية كالهايكو الياباني، وقصيدة الومضة التي أتقنها شعراء الحداثة الغربية، وأعاد العرب والعراقيون تشكيلها بروحهم الخاصة. لكنه ليس تقليداً ولامحاكاة. فما نراه هنا هو إمتصاص للروح ثم بعثها من جديد بلهجة محلية وصوت عراقي متميز. القصيدة عند طالب حسن لا تطيل الحكاية، بل تختزلها إلى لحظة مكثفة، إلى ومضة تضئ زاوية منسية في الذاكرة أو العاطفة أو المشهد اليومي وفي هذا الإختزال تكمن الصعوبة لأن القول القليل يحتاج بناء دقيق، وإلى لغة لاتترهل ولاتتهاوى عند أول سطر. ما يلفت منذ النص الأول هو وحدة النَفَس التي تسري بين النصوص المتباينة. تبدو القصائد وكأنها نشيد واحد، نغمة متكررة لكنها لاتُمل، يتغير المقام، وتتنوع الصور، لكن الجوهر يظل متماسكاً، في المجموعة هناك مهارة واضحة في البناء: لا إرتجال ولا فوضى، بل معمار شفّاف يقوم على الإيحاء أكثر من التصريح، وعلى الإلماح أكثر من الشرح، اللغة نظيفة، منسوجة بحرص، تحمل جمالاً لا يتكلف ولايتعسف، فتأتي الصورة شفافة دون أن تفقد كثافتها، ويأتي الإيقاع خفياً دون أن يتحول إلى وزن تقليدي. المعالم في هذه النصوص متعددة ولا تحصى نفسها في أفق واحد، الوطن حاضر لكن ليس كخطاب، بل كرائحة تراب مبلل، كظل نخلة، كصوت مؤذن بعيد يختلط مع دوي المدينة، والحب لا يظهر كبطولة رومانسية، بل كل لحظة دفء في زمنٍ بارد، كابتسامة عابرة تنجو من الرماد، والحياة بكل ما فيها من هشاشة وصمود تتحول إلى مادة شعرية دون أن تسقط في المباشرة أو الوعظ، هذا الموقف الإيجابي من الحياة هو ما يميز المجموعة ويجعلها تقاوم طابع العزلة الذي يوحي به العنوان، فحتى تحت المطر، هناك تشبّث، هناك حياة. ضمت المجموعة العشرات من النصوص النثرية. تقع المجموعة ل —- ٢٣٦ —- صفحة من القطع المتوسط. تصميم الغلاف للفنانة: زكية حسين.









