قصص تهكمية باذخة المعنى..
قراءة: عقيل هاشم
يشكل القاص حسن البصام علامة بارزة في المشهد السردي العراقي الراهن، مايميز نصوصه اللغة التي يكتب بها، وطريقة معالجته للمواضيع، فهو يكتب باسلوب مختلف عن السائد من الكتاب، قصص مغايرة ومختلفة تماما عما درجت عليه تلك النصوص، فقد امن الكاتب بمفهوم التجريب والمغايرة منذ إصداراته الاولى من خلال الابتعاد عن السرد التقليدي بكل المقاييس، وهذا مالمسه القارئ لاسيما في هذه المجموعة بشكل واضح، فقد راهن على الحداثة بوصفها شرطا أساسيا من اشتراطات الاختلاف والمغايرة والتطوير، وإثبات الذات، فقد واضب على كشف ما يحدث من هزات اجتماعية وانسانية مر بها المجتمع والفرد معا.
أقول إن المتأمل لتجربة البصام سيراها تجربة تؤسس للحظة فارقة لنقد ظواهر سياسية واجتماعية ظهرت لاحقا بعد التغيير، هي بالتاكيد مدانة، نلحظها عبر تشخيص الكاتب أزمة الذات، ظلت تقلق وجوده، وتكوّن سؤالا مستمرا، من خلال إعادة ترتيب الأشياء، وتسميتها من جديد وفق علاقات وتراكيب جديدة، لكنها قلقة ومتشظية جدا، لعل هذا القلق هو سر تقبل النصوص فنيا، أقول هذه النصوص مشحونة بالصور والانزياحات، بالامكان قراءتها وفق أفق تأويلي يجعلها فضاء للتأمل الوجودي، فمنذ العنوان” مصادقة الحيتان ” يضعنا القاص البصام امام جدل الجمع بين مفهوم الصداقة وغريزة الحيتان القاتلة، العنوان عتبة الدخول للنصوص بوصفها مركزا رمزيا تتحرك داخله الذات والاخر وتتقاطع فيه المصالح والمغانم، لتكشف لنا صورا ساخرة عن مايجري، وبالتاكيد هي انعكاس هشّ ومراوغ لبعض الممارسات غير الاخلاقية في التعامل اليومي، من خلال قراءة فاحصة للنصوص يظهر المعنى بقدر ما يحجبه، ولذلك تبدو تلك القصص، محاولة للقبض على ما يتفلّت باستمرار.
أذن هي قصص قصيرة مثيرة للجدل كثيفة الدلالة، تكشف بشكل واضح كيف تتشظى الذات داخل واقع مضطرب. كما يستثمر الكاتب تلك النصوص للادانة والنقد بوصفها فضاء للتيه والكشف في الآن نفسه، لذلك يغدو الحدث السردي محاولة ادانة ونقد لتلك الفوضى الداخلية للعالم وترتيبها من جديد. وهذا ما يجعل الجملة السردية عند البصام قريبة جدا مما يسميه بول ريكور بـ«الاستعارة الحية»، أي الصورة التي لا تزيّن اللغة فقط، بل تعيد تشكيل رؤيتنا للوجود انطلاقا من فائض المعنى الذي تخلقه. وربما يكون الصمت ابلغ من التصريح ، وكما قيل “كلما اتسعت الرؤية ضاقت العبارة ” فالمعرفة بالرؤيا هي السبيل لاكتشاف صفاء الوجود. ان المتأمل للغة التي كتب بها البصام نصوصه بوصفها دالا رئيسيا في معظم ما كتبه في تلك النصوص سنجدها لغة رمزية تؤدي وظيفتها التواصلية في اليومي ما دام وجودها يرتبط بالانسان ، وكأن الكلمات تولد من الألم. لتصبح كشفا للجرح الوجودي، لا مجرد زخرفة لغوية.
واكيدا أنها تعكس حالة التشظي والتيه التي تعيشها الذات، يعكس أزمة الإنسان المعاصر داخل عالم فقد انسجامه ومعناه.، فالكاتب جعل مايكتب قدرا وجوديا، لا مجرد اختيار جمالي.
وختاما أقول: لقد نجح بشكل لافت القاص البصام من سرد نصوصه بلغة شعرية ، تتجاوز وظيفتها التواصلية اليومية لتصبح لغة للرؤيا والرمز. فالكلمات تنفتح على أبعاد عميقة الدلالة، مانحة النص إبدالات فنية جديدة وأفقا حداثية جديدة. ولعل هذا ما يجعل تجربة الكاتب امتدادا لجيل يكتب باسلوب ممتع ومشوق، وإذن يمكن القول، إن هذه المجموعة والحاصلة على الجائزة الثانية في مسابقة دار السرد لهذا العام، هي نصوص مفتوحة، مرتهنة بالتأويل وانها تجربة نقد وكشف لظواهر انسانية، اقول هي محاولة مستمرة لترميم هشاشة الإنسان. لقد استطاع فعلا القاص البصام أن يجعل من نصوصه فضاء للتفكير والتامل ،كون الكتابة مرآة لقلق الذات.









