ثقافة شعبية

قراءة وعرض كتاب (باب محترق .. أوراق ثقافية) للأديب والمترجم امير دوشي اياد خضير

في مستهل كتاب «بابٌ محترق.. أوراق ثقافية» يروي المؤلف حكاية طبيب عراقي سافر إلى إنكلترا عام 1952 لدراسة الطب، وهناك التقى بعالم الاقتصاد السياسي أوسكار لانكه. وحين أخبره برغبته في دراسة كتاب ماركس «رأس المال»، نصحه قائلاً: «لست بحاجة إلى دراسة ماركس وكتابه، اقرأ تاريخ النفط في العراق وعلاقته بمصالح الغرب في العراق ومنطقة الشرق الأوسط، وستفهم ما يجري، وتساعد الآخرين على فهمه، وتسهم في التغيير» (ص10).

ومن هذه الحكاية ينطلق الكاتب إلى استعراض محطات سياسية مفصلية، فيتوقف عند حرب عام 1956 والعدوان الثلاثي على مصر، وحلف وارسو، وقادة العالم الثالث، وإرسال المدمرة الحربية إلى ميناء الإسكندرية، ثم ينتقل إلى ثورة 14 تموز 1958 وما رافقها من مقتل الملك فيصل الثاني ورئيس الوزراء نوري السعيد، وصولاً إلى انقلاب 8 شباط 1963 واستشهاد الزعيم عبد الكريم قاسم. وتمتد الأحداث التي يوثقها حتى عام 1990 ودخول العراق إلى الكويت، محللًا المصالح الأمريكية في المنطقة، ومؤكدًا أن الولايات المتحدة تلجأ إلى القوة العسكرية كلما تعرضت مصالحها للتهديد.

ولا يقتصر الكتاب على السياسة، بل يعرج على الثقافة، فيتحدث عن مسرحية عُرضت في لندن أواخر سبعينيات القرن الماضي، من ثلاثة فصول، تناولت النفط وشيوخ الخليج العربي والدور البريطاني في المنطقة.

ويتناول كذلك كتاب «استقراء العراق: صراع السلطة والثقافة» للمفكر الدكتور محسن الموسوي، الصادر عام 2007، والذي يعيد قراءة تاريخ العراق الحديث، كاشفًا كثيرًا من الحقائق المغيبة، ومتوقفًا عند أحداث عام 2003، وخروج الجماهير إلى الشوارع، والوجود الأمريكي، وظهور المليشيات المسلحة، ودور الثقافة بوصفها فاعلًا أساسيًا في تشكيل الهوية العراقية، انطلاقًا من كون الأدب العراقي خطابًا مقاومًا للهيمنة والسلطة.

وفي باب الآثار، يوضح المؤلف أن مفهوم «أركيولوجيا المعرفة» عند ميشيل فوكو لا يتعلق بالتنقيب الجيولوجي عن الآثار، كما يعتقد كثيرون، بل هو منهج لتحليل أنظمة المعرفة والخطابات. ثم ينتقل إلى مباحثات الكيلو 101 عام 1973، وكارثة الدفرسوار، ومحاصرة الجيش المصري، وما أعقبها من مفاوضات مع إسرائيل، فضلًا عن اجتياح لبنان عام 1982، وحرب الخليج عام 1991.

ويبدو الكتاب أشبه بكتالوج ثقافي وسياسي يجمع موضوعات متنوعة، يعرضها بأسلوب سلس ومشوق، مقدمًا رؤية تحليلية ونقدية لإشكاليات الثقافة والخطاب العام، وللتحولات السياسية والثورات التي سعت إلى إنتاج واقع جديد في المنطقة العربية، وما رافقها من صراعات اقتصادية وعسكرية، وصولًا إلى تفكك الاتحاد السوفيتي.

ويفرد المؤلف مساحة واسعة للمفكر الفلسطيني إدوارد سعيد، بوصفه أحد أبرز منظري دراسات ما بعد الاستعمار، والمدافعين عن حقوق الشعب الفلسطيني، مستشهدًا بقوله: «يجسد عمل إدوارد سعيد ثلاث قيم لمسؤولية المثقف: اتساع المعرفة وعمقها، والصرامة التاريخية والعلمية، والالتزام العميق بالأخلاق السياسية، وهي الفضائل التي تجعل الحضارة ممكنة. ومن دونها يتحول المثقفون إلى محترفين ذوي اهتمامات ضيقة وطموحات وظيفية» (ص19).

كما يناقش الكتاب مفاهيم مثل الحاشية، وعصر ما بعد الحقيقة، ورؤية إدوارد سعيد للتاريخ وعلاقته بالمعنى، فضلًا عن أطروحاته الفكرية التي جعلت النص الأدبي في قلب الصراع الثقافي والسياسي، وتأثير ذلك في المتلقي. ويستعرض آراء عدد من المفكرين والباحثين حول مشروع سعيد الفكري، مع الإشارة إلى أسماء بارزة مثل ميشيل فوكو، وجاك دريدا، وجوزيف كونراد، وإريك أورباخ، وديكنز، وستندال، وتولستوي، وألبير كامو، وجورج أورويل، فضلًا عن الكاتبة اللبنانية دومينيك إدّه.

ويتطرق أيضًا إلى الهولوكوست، بوصفه جريمة الإبادة الجماعية التي راح ضحيتها نحو ستة ملايين يهودي، إلى جانب جماعات أخرى، على يد النظام النازي والمتعاونين معه، في واحدة من أبشع الجرائم في التاريخ الحديث.

ويستمر الفصل الثالث والعشرون في مناقشة فكر إدوارد سعيد ورؤاه السياسية والاجتماعية والثقافية، قبل أن يختتم الكتاب بمجموعة من الترجمات التي أنجزها الأديب والمترجم أمير دوشي، منها: «ألبير كامو والتخيلات الإمبراطورية» (حوار مع أوليفر غلوغ)، و**«بلاط السلطان.. الأوهام القريبة عن الشرق»** لألان غرو ريشار، و**«مسافر إلى فرانكفورت.. ما عرفته أجاثا كريستي»** لسلافوي جيجيك، إلى جانب قراءة في كتاب خضير فليح الزيدي «أمكنة تدعى نحن» بعنوان «غياب الفرد وهيمنة الجماعة».

ويُحسب للمترجم والأديب أمير دوشي الجهد الكبير الذي بذله في إعداد هذا الكتاب، الواقع في 186 صفحة من القطع المتوسط، والصادر عن دار السومري للطباعة والنشر، إذ قدم للقارئ مادة معرفية ثرية تجمع بين السياسة والثقافة والفكر والترجمة، في عمل يستحق القراءة والاهتمام.

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان