ثقافة شعبية

متاهات سردية

قراءة في المجموعة القصصية “وشم الفراشات” للقاص محمد الكامل بن زيد

خديجة مسروق*

أصبحت الكتابة الأدبية المعاصرة تتطلّب مسافة سردية قصيرة تلائم و ديناميكية العصر، وتستجيب لذوق القارئ المعاصرالذّي أصبح يفضّل القراءة السّريعة.ولعلّ النّوع الأدبي الأكثراستجابة لذلك هو القصّة القصيرة جدّا،لأنّها تقوم على الاختزال والتّكثيف اللّغوي.بين أيدينا مجموعة قصص قصيرة جدا للقاص محمد الكامل بن  زيد،حيث يأخذناعبر سبع وأربعين قصّة قصيرة جدّا  إلى متاهات سردية مغرقة في المجازات والاستعارات يغلب عليها الابهام، تضع القارئ أمام نصوص مدهشة ليتعمّق في مكامكنها عبر تأويلات متعدّدة.

 المجموعة القصصية تحمل عنوان وشم الفراشات صدرت العام 2025،وهو عنوان يقومَ على مفارقة مدهشة .المعروف أنّ الوشم لايزول بمرور الوقت ودلالته النّصية تشيرإلى الأثر الراسخ، وقد ارتبط  الوشم بجسد الانسان .فهل جسد الفراشات يقبل الوشم؟عُرفت الفراشات بالجمال والخفّة وصغر الحجم. ولفظة الفراشات في الثقافة العربية تطلق مجازيا على الكائن الفتيّ، في خفته وجماله استعارها القاص ليطلقها على مجموعته القصصية..وشم الفراشات نصوص قصيرة جدا بحجم الفراشات. وهنا يمكن القول بأنّنا أمام مفارقة تشير إلى الأثرالأدبي الذّي ستتركه هذه النّصوص الفتية  في وجدان القارئ.

يأخذنا  بن زيد إلى الأماكن المغلقة والمظلمة،الزنزانة والكهف والمتاهة .وهي عناوين  قصص قصيرة جدا اشتغل فيها على التّكثيف الدّلالي. أبطالها أسرى لواقع أليم ،يبحثون عن النّجاة  .قصة زنزانة لخّصت مظاهر القمع الذّي تمارسه القوى المستبدّة على الضّحية.أمّا قصة الكهف تحمل بعدا وجوديا صوفيا، فالبطل الذّي يبحث عن ظلّه لمدة خمسين سنة ،هو في حقيقته يبحث عن ذاته ،تبدو شخصيته قلقة يلجأ إلى الكهف بحثا عن الخلاص والنّجاة  .الأديب الحقيقي هو الذّي يلامس الجرح الانساني في كتاباته، بن زيد يُهدي إحدى قصصه للبنان الجريح.في قصّة متاهة يدور حوار بين أب وابنه عن الوضع المأساوي بلبنان، هنا يضع القاص أمامنا مشهدا مؤثّرا يصوّر حالة هذا الابن اليائس الذّي يفتقد للأمن والسّلام ‘ انهمرت من الطّفل دموع حارقة ،واحتضن والده كأنّه يحضن شجرة الزّيتون’ وقد اختار القاص المتاهة رمزية للشّتات الذّي يعيشه شعب لبنان ،في انتظار أن يورق شجر الزّيتون يوما وتعود الطيور المهاجرة  التّي افتقدها بطل القصّة تحلّق في سمائهم من جديد.

 استحضار الحيوانات في النّص الأدبي له دلالته النّفسية والاجتماعية والسّياسية، والقاص بن زيد يوظف مجموعة كبيرة من الحيوانات كأداة عبور لذهن القارئ بشكل من الأشكال، كالسّمك والعقاب والطيور والجرذان. والكلاب في ثقافتنا المجتمعية رمز للتّحقير، اذا نعّتنا شخصا بالكلب فإنّنا نشير إلى سلوكه السّيء من خيانة وغدر.وقصة كلاب فيها إشارة  إلى نماذج بشرية من الواقع  يحملون تلك  الصّفات الدّنيئة. الجرذان قصة قصيرة جدا أبطالها مجموعة من الجرذان ، لكنّها تتجاوزها ككائنات حيّة حيث تعكس مظاهر الفساد في المجتمع ،وتاريخ الجرذان يشهد بأنهم عُرفوأ بالتخريب والفساد فأراد القاص إسقاطها على فئة من الواقع.

 في هذه المجموعة القصصية اشتغل بن زيد على لغة سردية جديدة تحيل إلى الواقع المعاصر،كتوظيفه لبعض العبارات الجديدة كالحوت الأزرق والريموت كونترول وغير ذلك ما يجعل لغة قصصه أكثر إثراء وانفتاحا .الذّي يطبع هذه النّصوص القصصية القصيرة جدا الخاتمة الصّادمة والمفارقة المدهشة التّي تربك القارئ،وهي خاصية مهمّة ومعقّدة لا يجيدها إلاّ قاصّ حصيف.

وشم الفراشات عدسة ضوئية تصور أحوال الواقع العربي اجتماعيا ونفسيا وسياسيا  من فساد وخيانة وصراع .مغرقة في المضمر متعدّدة الأشكال والوقائع ،مفعمة بالإدهاش والمتعة .

 *كاتبة وناقدة من الجزائر

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان