مؤتمـــــر حركــــــات الســـــلام فـــــي الشــــرق الأوســــــط:
رفض الحروب والدفاع عن حقوق الشعوب
جاسم الحلفي- خانيا – جزيرة كريت
عقد اجتماع حركات السلام في الشرق الأوسط يومي 6 و7 حزيران 2026 في مدينة خانيا بجزيرة كريت اليونانية، بدعوة من اللجنة اليونانية للسلم والتضامن الدولي، وبمشاركة منظمات السلام الأعضاء في مجلس السلم العالمي من فلسطين ولبنان وسوريا والعراق ومصر وإيران وتونس وفلسطين المحتلة وقبرص واليونان.
انعقد الاجتماع في ظل أوضاع إقليمية شديدة التوتر، تتسم باستمرار الحرب على الشعب الفلسطيني، والاعتداءات الإسرائيلية على لبنان، والتداعيات المستمرة للحرب على إيران، والتطورات في سوريا والسودان واليمن، وتصاعد التنافس الدولي على المنطقة.
افتتح الاجتماع الأمين التنفيذي لمجلس السلم العالمي إيراكليس تسافداريديس، الذي أكد أن المنطقة تمر بمرحلة بالغة الخطورة، وأن حركات السلام مطالبة بتعزيز دورها في مواجهة الحروب والسياسات الإمبريالية، والعمل على توسيع التعاون بين القوى المناهضة للحرب والاحتلال.
وشهدت الجلسات عدداً كبيراً من المداخلات السياسية والفكرية التي عكست تنوع التجارب الوطنية ووحدة الموقف العام الرافض للحروب والاحتلال والتدخلات الأجنبية.
خلاصة عن المداخلات الفلسطينية واللبنانية والمصرية
في المداخلة الفلسطينية جرى التركيز على استمرار العدوان الإسرائيلي على غزة والضفة الغربية، وجرى التأكيد أن ما يتعرض له الشعب الفلسطيني يمثل جريمة مستمرة بحق شعب أعزل، مع التشديد على حق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم وإقامة دولتهم المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية.
أما المداخلة اللبنانية فقد عرضت بالأرقام والوقائع آثار العدوان الإسرائيلي على لبنان، وحجم الدمار الذي لحق بالجنوب اللبناني والبقاع والضاحية الجنوبية لبيروت، وما ترتب عليه من آلاف الضحايا وموجات نزوح واسعة، مع التأكيد على ضرورة الانسحاب الإسرائيلي الكامل من الأراضي اللبنانية المحتلة ورفض أي محاولة لفرض وقائع جديدة بالقوة.
وقدم ممثل اللجنة المصرية للسلم عرضاً تناول فيه السياسات الأمريكية والإسرائيلية في المنطقة، معتبراً أن ما يجري في فلسطين ولبنان وإيران يأتي ضمن مشروع أوسع يهدف إلى إعادة تشكيل الشرق الأوسط بما ينسجم مع المصالح الأمريكية والإسرائيلية، مؤكداً التضامن مع الشعوب التي تواجه الاحتلال والحروب والعقوبات.
إيران والحرب الاخيرة
كما استحوذت إيران على جانب مهم من النقاشات. فقد تناولت المداخلة الإيرانية تداعيات الحرب الأخيرة على إيران، ورفضت محاولات فرض التغيير السياسي من الخارج، مؤكدة أن مستقبل إيران يجب أن يقرره الشعب الإيراني وحده. كما ناقشت هذه المداخلات نتائج المواجهة العسكرية الأخيرة وانعكاساتها على التوازنات الإقليمية والدولية.
أما الوفد السوري فقد قدم عرضاً مطولاً للأوضاع في سوريا بعد التطورات التي شهدتها البلاد خلال المرحلة الأخيرة، متناولاً انعكاسات التدخلات الخارجية والعقوبات الاقتصادية وتغير موازين القوى الداخلية، مع التأكيد على استمرار النضال من أجل العدالة الاجتماعية والسيادة الوطنية وحقوق الشعب السوري.
وشكلت مداخلة ممثل حركة السلام التقدمية في فلسطين المحتلة إحدى المداخلات اللافتة، إذ قدمت قراءة نقدية للسياسات الإسرائيلية الحالية، محذرة من تصاعد النزعات الفاشية والعنصرية داخل الحكومة الإسرائيلية، ومن خطورة استمرار الحرب والاحتلال على مستقبل المنطقة وعلى المجتمع الإسرائيلي نفسه.
كما قدم ممثل مجلس السلم القبرصي مداخلة ركزت على مخاطر التحالفات العسكرية والقواعد الأجنبية في شرق المتوسط، منتقداً انخراط بعض الحكومات في مشاريع عسكرية وسياسات تزيد من احتمالات التوتر والصراع.
العراق: لا سلام دون عدالة
وفي مداخلة المجلس العراقي للسلم والتضامن، أكد جاسم الحلفي أن فكرة (لا سلام دون عدالة) يجب أن تكون الخلاصة الأساسية للمؤتمر، مشيراً إلى أن السلام لا يتحقق بوقف الحروب وحده، بل بإنهاء الاحتلال والهيمنة والتمييز، وضمان حق الشعوب في تقرير مصيرها. كما شدد على أن مواجهة الفقر والتهميش والاستبداد والدفاع عن الديمقراطية والعدالة الاجتماعية وحقوق الإنسان تشكل جزءاً لا يتجزأ من النضال من أجل سلام حقيقي ودائم، لأن العدالة ليست نتيجة للسلام فحسب، بل شرط أساسي من شروطه
وفي إطار فعاليات المؤتمر شارك الوفود في وقفة احتجاجية أمام قاعدة سودا العسكرية الأمريكية في جزيرة كريت، التي تعد من أكبر القواعد العسكرية الأمريكية خارج الولايات المتحدة، حيث رفعت شعارات تطالب بوقف الحروب وإغلاق القواعد العسكرية الأجنبية واحترام سيادة الشعوب وحقها في تقرير مصيرها.
كما ناقش المؤتمر عدداً من القضايا التنظيمية الخاصة بمجلس السلم العالمي، شملت توسيع العضوية في المنطقة العربية وشمال أفريقيا، والتحضير لاجتماعات المجلس المقبلة، ومنها اجتماع اللجنة التنفيذية المقرر عقده في كندا خلال تشرين الأول المقبل.
وفي ختام أعماله أقر المؤتمر بياناً سياسياً أكد التضامن مع الشعب الفلسطيني والشعب اللبناني والشعوب التي تواجه الاحتلال والحروب والتدخلات الخارجية، ودعا إلى إنهاء الاحتلال الإسرائيلي، وإقامة منطقة خالية من الأسلحة النووية في الشرق الأوسط، وإغلاق القواعد العسكرية الأجنبية، وتعزيز التنسيق بين حركات السلام والقوى الديمقراطية والتقدمية في المنطقة والعالم.
خلاصة اولية
ويمكن القول إن المؤتمر عكس قناعة واسعة بين المشاركين بأن المنطقة تواجه مرحلة خطيرة من إعادة رسم التوازنات الدولية والإقليمية، وأن مهمة حركات السلام لا تقتصر على رفض الحروب، بل تشمل الدفاع عن حق الشعوب في الحرية والعدالة والسيادة والتنمية، انطلاقاً من حقيقة باتت أكثر وضوحاً من أي وقت مضى.
كلمة المجلس العراقي للسلم والتضامن
السيدات والسادة
الأصدقاء المشاركون في مؤتمر حركات السلام في الشرق الأوسط
أتوجه إليكم باسم المجلس العراقي للسلم والتضامن بأصدق التحيات، كما أتقدم بالشكر إلى مجلس السلام العالمي ولجنة السلام اليونانية ولجنة السلام في كريت على تنظيم هذا اللقاء في ظرف إقليمي ودولي بالغ التعقيد.
ينعقد هذا المؤتمر في ظل تصاعد سياسات الهيمنة ومحاولات فرض الإرادة بالقوة على الشعوب والدول، وما يرافقها من مساعٍ لتكريس نظام دولي أحادي القطبية. وقد تجلت هذه التوجهات بوضوح في السياسات الأمريكية، ولا سيما خلال إدارة الرئيس دونالد ترامب، التي اتسمت بالضغط والابتزاز السياسي والاقتصادي في تجاهل لمبادئ القانون الدولي وحق الشعوب في تقرير مصيرها. وفي الوقت نفسه، تشهد منطقتنا تصاعداً خطيراً في الحروب والنزاعات واتساعاً لدوائر التوتر وعدم الاستقرار، فيما تدفع الشعوب الثمن الأكبر من أمنها واستقرارها ومستقبل أجيالها. وإزاء ذلك، نؤكد أن أمن المنطقة لا يتحقق بالقوة العسكرية، بل بالحوار والتعاون واحترام حقوق الشعوب ومصالحها المشروعة.
إن العراق، الذي عانى لعقود من الحروب والعنف والإرهاب والتدخلات الخارجية، يدرك أكثر من غيره أهمية السلام باعتباره شرطاً للتنمية والاستقرار والكرامة الإنسانية. ومن تجربتنا المريرة نتعلم أن بناء السلام لا يقتصر على وقف إطلاق النار، بل يتطلب معالجة أسباب الصراعات، ومكافحة الفقر والتهميش، وتعزيز الديمقراطية والعدالة الاجتماعية واحترام التنوع.
لقد أثبتت التجارب أن الحروب لا تنتج سلاماً، وأن منطق القوة العسكرية عاجز عن معالجة جذور الأزمات والصراعات. فالسلام الحقيقي لا يقوم على الإكراه أو الهيمنة، بل على العدالة واحترام حقوق الشعوب وسيادة الدول والقانون الدولي. ومن هنا ندعو مجلس السلام العالمي إلى تبني شعار «لا سلام من دون عدالة» عنواناً لنضاله في مواجهة الحروب وسياسات الهيمنة والتدخلات العسكرية، لأن غياب العدالة كان ولا يزال أحد أبرز أسباب النزاعات وعدم الاستقرار في عالمنا المعاصر.
ومن هذا المنطلق، نجدد تضامننا مع الشعب الفلسطيني في نضاله المشروع من أجل الحرية والاستقلال وإنهاء الاحتلال وإقامة دولته المستقلة. كما نؤكد رفضنا لكل أشكال العقاب الجماعي واستهداف المدنيين والانتهاكات التي تطال حقوق الإنسان في مناطق النزاع. ونعبر كذلك عن تضامننا مع الشعب السوداني الذي يواجه ظروفاً إنسانية بالغة الصعوبة نتيجة الحرب الدائرة في بلاده، وندعو إلى وقف القتال وصون وحدة السودان وسيادته وحق شعبه في الأمن والسلام.
إن مسؤوليتنا كحركات سلام لا تقتصر على إدانة الحروب، بل تشمل بناء ثقافة السلام والتسامح والتضامن بين الشعوب، والدفاع عن حقها في العيش الكريم، ومواجهة خطاب الكراهية والعنصرية والتعصب، والعمل من أجل عالم أكثر عدالة وإنسانية. وفي هذا السياق، نرى أن التعاون بين حركات السلام والحركات الاجتماعية والنقابات والاتحادات المهنية ومنظمات المجتمع المدني في بلدان الشرق الأوسط بات أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى، فالتحديات التي تواجه شعوبنا مشتركة، كما أن الدفاع عن السلام والعدالة والكرامة الإنسانية مسؤولية مشتركة أيضاً.
ختاماً، نجدد التزام المجلس العراقي للسلم والتضامن بمبادئ مجلس السلام العالمي، وبالنضال من أجل عالم خالٍ من الحروب والاحتلال والتمييز والاستغلال، عالم تُحترم فيه حقوق الشعوب، وتُصان فيه الكرامة الإنسانية، وتُفتح فيه آفاق التنمية والسلام للجميع.
شكراً لكم.
6-7 حزيران 2026









