فنون

كم بيت كان يشبه “بيت أم ليله” في عراق البعثيين؟

عدنان الفضلي

ليست ساذجة غرفة الكتابة التي أنتجت لنا النص الكبير (بيت أم ليلة) حين وضعت له هذا الاسم. فبصفتي كاتباً وشاعراً، وبالأحرى منتجاً للنص، أجدها ذكية وهي تصيد لنا العنوان المركب بين أن تكون الحكومات تقاد من بيوت الدعارة، أو أن تكون الحكومة نفسها داعرة وتتخطى حدود وصف العهر. وحتماً يجب الإشارة إلى كبير هذه الغرفة الكاتب المهم أحمد هاتف.

أقف اليوم قبالة عمل درامي عراقي يعرض على شاشة كنا قبل رمضان الحالي نشكك بصدق نواياها في ملاحقة تاريخ هذا الوطن الحزين، لكننا تفاجأنا، وربما هي فاجأتنا بأن تقلب معتقداتنا لتقدم لنا عملين دراميين حقيقيين، من ضمنهما العمل الذي أنا بصدد التنبيه له وليس نقده، فلست ممن يمتلكون أدوات النقد ولن أدعي امتلاكها، فصفتي ككاتب أو متلقٍ تسمح لي بدخول التفاصيل البسيطة والعميقة كمتلقٍ ومشاهد انطباعي.

أتحدث اليوم عن مسلسل (بيت أم ليله)، وهو عمل درامي شدني شخصياً وجعلني أتسمّر قبالة الشاشة الصغيرة لأتابع سلسلة أحداثه. فما بين الحزن والفرح، والوقوف بين مغلفين، وجدتني منقاداً لمتابعة هذا العمل، والذي أجدني مجبراً أن أصفق لأغلب من ساهم بإيصاله لنا على هذا النحو المبهر.

من النص أنطلق، وهو نص محايث، بل يكاد أن يكون متعالقاً مع الواقع العراقي الذي عشناه في الفترة الأخيرة من زمن حكم النظام الصدامي وليس البعثي، كون الأحداث تدور في زمن صارت فيه الحكومة عبارة عن أولاد قرية يديرون العراق كدولة منتهكة تماماً من حيث قوانينها وطريقة إدامة تسييرها، حيث الحصار وسلطة البعث الصدامي الذي لا يرعى سوى مصلحته وحده.

من الإخراج سأبدأ حديثي، وهذا يعني أن أنطلق من حيث خبرة صديقي المخرج الكبير علي أبو سيف، الذي تجمعني معه مشتركات كثيرة، ولكني مقدماً أشكره لقبول عمل جل ما في نصه تركيب ما لا يمكن تركيبه. فهي مهمة صعبة وتحتاج إلى مخرج خبير على شاكلة أبو سيف. فما بين شخصية أبو عروبة وأم ليله ثمة مشتركات يمكن توحيدها، ولكن كيف يمكن توحيد شخصيتين مثل الضابطين عبيدة ونبيل؟ فهنا لا بد من خلاف يضع المخرج في خانة صعوبة التوصيل. لذلك السؤال هو: كيف أقنع سعد محسن ومرتضى حنيص أن يكونا بتوافق غير عقلاني، ومن ثم بعقلية الواهب والمستقبل، كما في فصائل الدم؟

قد يستوضح القارئ الآن عما أتحدث، وعليه أقول:

قدم علي أبو سيف لنا شخصية أبو عروبة التي أداها الفنان عادل عباس كنموذج واضح لقروي من قرية الرئيس نال منصباً كبيراً، فبحث عما يحتاجه، وهو الجنس والخمر المحمي، بصحبة أم ليلة، الشخصية التي أدتها الفنانة نجلاء فهمي. وقد كان الدمج الإخراجي بالفعل واقعياً جداً. ثم يضعنا قبالة شخصيتين مهمتين في العمل، وهما شخصيتا الضابط عبيدة (سعد محسن) والضابط نبيل (مرتضى حنيص)، وهما ثقل العمل و”حمّالا حطب المسلسل”، حيث نجد أنفسنا بين الضابط المتهور إنسانياً عبيدة ونقيضه المتمرد بهدوء نبيل. وهي منظومة مخيفة تحسب للكاتب والمخرج توظيفهما في عمل يريد إدانة نظام دكتاتوري ما زال يثير الجدل. لكنهما، وعبر النص والأداء والإخراج، استطاعا إقناع المتلقي بأن الاختلاف يمكن دمجه في بوتقة السلاسة فتسهل مهمة التلقي، ولذلك سنصفق لأبي سيف ولكبار العمل في سحبنا إلى خانة تلقٍ سهل.

من وجهة نظري، ونظراً لعنوان المسلسل، فإن هؤلاء الأربعة: عادل وسعد ونجلاء ومرتضى قد تحملوا مسؤولية الإيصال كاملة عبر أداء مبهر جعلنا نصفق لهم كثيراً، فقد قدموا لنا صورة غير نمطية عن الممثل العراقي، وجعلونا نعيد حلمنا برؤية دراما عراقية محملة بالعافية.

في جوار ذلك كانت هناك أكثر من شخصية أقنعتنا بالأداء الذي قدم للمشاهد. ومن بين هؤلاء الفنان نظير جواد في شخصية الرفيق عبد، وهي شخصية تحتاج إلى تدفق عال في الأداء لإيصال قسوة الرفيق البعثي المؤذي والمتلذذ بوجع ضحاياه ممن زج بهم في أقبية السجون، فقط ليرضي مسؤوليه. وقد نجح نظير في ذلك تماماً وقدم لنا الشخصية على أكمل وجه. كما تواجدت الفنانة آيار عزيز بشخصية ساجدة، هذه الفتاة الشريفة التي تجبر على العيش في بيت دعارة وتتعرض للاغتصاب، لكنها تبقى تقاوم الانزلاق في العمل كبائعة هوى. وقد كان الأداء مذهلاً عند آيار لدرجة أنها كانت من المقنعين جداً في الأداء، وأتوقع لها مستقبلاً مشرقاً في الفن على خطى والديها الكبيرين عواطف نعيم وعزيز خيون.

بجانبهم تلمسنا حضور كثير من الأسماء التي شاركت في هذا العمل الفني الكبير، على شاكلة ذو الفقار خضر الذي أرى أنه بالغ كثيراً في تأدية دور الضابط رافد، لكنه كان في أكثر من مشهد مقنعاً وجيداً. وكذلك الفنانة رضاب محمد بشخصية نسرين التي أعجبني استرخاؤها وعدم التكلف في الأداء. وكذلك الفنان سلام هاشم بشخصية كجة، فقد كان متمكناً من الشخصية. ولا بد من التأكيد على الحضور الرائع للفنانة سهير صلاح التي أدت شخصية ابنة الرفيق عبد. كما كانت هناك وجوه عديدة ساهمت بشكل مهم في نجاح هذا العمل، على شاكلة باسم البغدادي وطلال هادي وجواد المدهش وعلي قاسم وغيرهم.

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان