فنون

اسمي حسن.. المسلسل الذي سمَّرَنا قبالة الشاشة الصغيرة

كتب – مدمنذ وقت طويل ونحن نبحث عن دراما عراقية تجعلنا نتسمّر أمام الشاشة الصغيرة، ونستمر في مطاردة الحلقات المتسلسلة لما يمكن تسميته “مسلسلاً عراقياً” يستعيد لنا شهيتنا لتناول وجبة حقيقية من الفعل الدرامي القادر على جعلنا نشعر بالرضا والامتنان.

في شهر رمضان الحالي، وكعادتنا، كنا نعيش حالة انتظار جديدة، وجعلنا مرقابنا يتجول في الفضاء بحثاً عما يلمع في سماء الدراما العراقية، وصادف أن التقط هذا المرقاب بصيص ضوء يطل من “درب تبانتنا” الذي يؤدي إلى الشجن العراقي الخالص، ففي فضاء عراقي خالص كان هناك خط درامي يشبه سحنتنا نحن الموجوعين جداً والمكويين (حيل) بنار الدكتاتوريات والحروب والحصارات والأوجاع التي لا مسرات تفصل بينها، وما ذلك سوى الفعل الدرامي الرائع المكنى (اسمي حسن) الذي سأضعه مقدماً في خانة العافية.

نعم، هذا المسلسل هو أفضل ما التقطه مرقابنا الباحث في الفضاء والفضائيات عمن يربت على أكتاف حزننا المتناسل، ففي تفاصيل الحكاية نجدنا قبالة شهقة عراقية محبوسة في الصدور المختنقة التي لم تتنفس بصدق منذ هدمنا الهدام، وأكمل من بعده من يشبهونه بالقول والفعل.

(اسمي حسن) حكاية عراقية توثق لأجيال من الشموع التي أطفئت عنوة بأصابع الغدر العفلقي، وقد صاغها الكاتب المبدع والأديب الشفيف (حامد المالكي) بمفردات استخرجها من قلوب الأمهات والعشيقات، ومن محاجر دمع الأبوة الصامتة، بل أكاد أجزم أن هذا المالكي قد سبر غور كل العراقيين من أقصى زاخو إلى أدنى الفاو، ففي سرده الذي وضعه قبالتنا كان هناك الجنوب بكامل قيافته، والشمال بوافر بياضه الثلجي، بل وكانت العائلة العراقية ماثلة تتحدث عن سنوات الجمر التي جاست كل حواسها.

في النص، ولأول مرة في تاريخ الدراما العراقية، ثمة جرأة حقيقية يتخوف منها كثير من الرواة الذين التزموا الحياد أو عاشوا تقيّة الكتابة خوفاً من مشرط الرقيب ولسان القامع الأدبي، فالمالكي، وعبر هذا السرد العذب رغم شجنيته، وضعنا قبالة نضال موحد لعراقيين وضعوا العراق نصب أعناقهم، وأقصد الشيوعيين النجباء وأبناء الدعوة الأفاضل في تلك الحقبة المريرة، فلم يضع الكاتب فواصل بين ما يقدمه المناضلون حينها، بل رسم لنا عبر سرده وحواراته كيف كان العراقيون متصافين في نضالاتهم من أجل الوطن الحر والشعب السعيد، وقد تجسد ذلك في شخصيتي الحسنين: حسن الشيوعي وحسن الدعوجي. فالرسم البياني للمسلسل لم يهبط في كامل حلقاته، فهو يوثق للصبر العراقي كاملاً، سواء كان صبراً شيوعياً أو دعوجياً، ولعل الحلقة الأخيرة قد باحت بكل أسرار هذا النقاء العراقي، فقد شاهدنا كيف يضمّد الدعوجي جراح شقيقه في النضال الشيوعي، وكيف صعدا معاً إلى أعواد المشانق متراصين ومتلاصقين، وكأنه يمنح الساسة الحاليين درساً مجانياً في كيفية جعل النضال خالصاً لوجه العراق.

أترك الأدب والنص ومبدعه وأذهب إلى الجانب الفني حيث الكاميرا ومن يقف خلفها أو قبالتها، وأقصد الكادر الرائع الذي هو عبارة عن مجموعة من نجوم ساروا في درب تبانة الشجن العراقي. فالمخرج (سامر حكمت) لم يعتمد التكلف والمبالغة في رسم الصورة، بل كان واقعياً جداً كما هو واقع العراق آنذاك، فلا حذلقة ولا تناصات مع رؤية إخراجية قدمها له السلف، بل اشتغل وفق رؤيته الحداثية المتعالقة مع الواقعية المائلة إلى الانضباط التراتبي في حركة الكاميرا. فهو، ومن خلال الأدوات التي اشتغل عليها، لم يهمل الصغائر، ولم يكلف نفسه العناء في البحث عن صيد كاميرا لا يخصه، فقد رصد مرقابه الحدث المكتوب وصار يصوغه قلائد من صور جاست قلوب المتلقين بسهولة تامة، فاللقطة عند سامر حكمت كانت أقرب إلى الهمس الصوري، تتلقاها العين كنظرة العاشق لشفاه معشوقته، وكانت اللقطة عند سامر ساحرة إلى درجة أنها تجبرك على التلقي وأنت متسمّر وغير قادر على التعليق أو التصفيق أو البكاء، حتى إنك تشعر مضطراً بالحاجة إلى مسك خاصرتك بقوة خوفاً من الانزلاق إلى عمق الشاشة، لتكون مشاركاً في رد الضيم عمن يتلقون العنف الصدامي. وحتماً ينبغي التصفيق لمن كانوا ضمن أدوات سامر في التصوير والمونتاج والديكور والأزياء وغيرها من الأدوات.

في خضم كل هذا لا بد من التوقف طويلاً عند الأداء، فنحن كنا قبالة فنانين كبار بعطائهم الثر والأداء المذهل الذي قدم على أكمل وجه.

وإذا تحدثنا عن الأداء الحقيقي فسأتغاضى عن الكبير (محمود أبو العباس)، فمثله لا يحتاج إلى شهادة مثلي، فهو النجم الشاهق في سماء الدراما العراقية، وليس بالجديد عليه هذا الظهور الكبير. لذا سأبدأ الحديث عن الحسنين: حسن الشيوعي (تحسين داحس) وحسن الإسلامي (أمير إحسان)، فهذان الممثلان، ومعهما فاطمة (سامية الرحماني)، قدما لنا نماذج جديدة للممثل العراقي القادر على استعادة مجد الدراما العراقية. فمن تابع حلقات المسلسل سيقتنع تماماً بأن هؤلاء، ومعهم أبو العباس، قد رفعوا الفعل الدرامي على أكتافهم، حيث حضرت الواقعية غير المتكلفة في الأداء، وكذلك شاهدنا التصاعد والتمكن في تقديم الشخصية. فأنا أريد أن أبشر بهم كنجوم فعليين يجب أن يتصدروا المشهد الدرامي العراقي مستقبلاً، وحتماً معهم نجوم آخرون ظهروا في أعمال أخرى.

الأداء كان مذهلاً، خصوصاً في شخصية حسن الشيوعي، فالفنان (تحسين داحس) جعلنا منبهرين باسترخائه وانسيابية طرحه، فلم نجده خارج التغطية في كل المراحل التي عاشها كبطل للعمل. وكذلك حسن الإسلامي (أمير إحسان) الذي لم يكن نمطياً أو متذاكياً، بل كان أكثر استرخاء، وتلمسنا حضوره الشفيف رغم أنه يؤدي شخصية مركبة تجمع ما بين القلق والثبات. والقول ذاته سأقوله عن فاطمة (سامية الرحماني)، فهذه الممثلة قدمت لنا نوعاً من الثبات المذهل في تقمص الشخصية، وقادتنا إلى الانبهار الحقيقي وهي تجسد لنا شخصية مركبة تجمع ما بين قوة وضعف الشخصية في علاقتها العائلية والأكاديمية، فنحن قبالة ممثلة مكتنزة في فهم وتقديم الشخصية.

العمل شهد حضوراً مميزاً للشخصيات الثانوية، ومن بينهم تبرز شخصية زوجة محمود أبو العباس التي جسدتها الفنانة القديرة (زهرة بدن)، حيث أمسكت بالشخصية وتعايشت معها طوال حلقات المسلسل، وقد سجلت تميزاً من خلال التقمص السلس لشخصية الأم الحنون والزوجة المحبة، فأضفت على العمل بعداً إنسانياً يلخص لنا معاناة أمهاتنا في ذلك الوقت العصيب، وهو ما يحسب للقديرة زهرة.

كما كان هناك حضور رائع للفنان (زياد الهلالي) الذي جسد هو الآخر شخصية مركبة تجمع بين المنتمي واللامنتمي، فهو الضابط الذي يؤدي واجبه، وهو الإنسان الذي يشعر أنه لا يؤدي واجباً، بل هو مجرم مشارك في قمع أهله العراقيين. كما تواجد الفنان المبدع (ضياء الدين سامي) بشخصية صعبة هي الأخرى عبر تقديمه نموذج الضابط الانتهازي غير المنتمي للوطن ولا للطغمة الحاكمة، بل كان يكرس نفسه لخدمة نفسه. كما لا يمكن المرور من دون ذكر شخصية أم حسن الشيوعي التي أدتها الفنانة الرائعة (بتول كاظم)، وكذلك الفنانة الشابة شقيقة حسن الشيوعي (تبارك حامد)، وكذلك الشخصية المهمة في العمل وهي شخصية المجنون المندس التي أداها الفنان (مصطفى الطويل). وحتماً لا يمكن إغفال ذكر كثير من الفنانين الذين قدموا لنا وجبة شهية من الدراما.

ختاماً، علينا أن نصفق للجميع على هذا الأداء الكبير والحضور المميز، وأن نقول بصوت عال: شكراً حامد المالكي، شكراً سامر حكمت، شكراً تحسين داحس، شكراً أمير إحسان، شكراً سامية الرحماني، كما نقول شكراً لجميع المشاركين في هذا العمل الكبير، متمنين لهم أن يكون التوفيق حليفهم في قادم الأيام والأعمال، وأن يثروا المشهد الفني العراقي بأعمال مثل أو أفضل من (اسمي حسن)، لأننا سنراهن عليهم كثيراً وننتظر أن يعيدوا تسميرنا قبالة الشاشة العراقية الصغيرة.ير التحرير

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان