رحيم يوسف / بغداد
في الكثير من التجارب الفنية يكون العامل الحاسم فيها هو الموهبة، تلك الموهبة التي تكون بحاجة إلى الإيمان بها ابتداءً، ومع أن دراسة الفن حاجة ملحة لذلك، ولكن بوجود العون المصاحب للإيمان يمكن تجاوز الكثير من المصاعب والتحديات، وهذا هو ما حدث معها حتى تمكنت من العمل ضمن المسار الواقعي وأنتجت أعمالاً برزت فيها موهبتها من خلال رسم الطبيعة والخيول وفن البورتريه الذي يحتاج إلى مهارة كبيرة أثناء الأداء، كما أنها تمتلك براعة في رسم الخيول. فبكثير من الجرأة، وبلا دراسة أكاديمية للفن، تمكنت الفنانة تيسير كامل حسين من التعامل مع السطوح التصويرية والألوان منذ طفولتها المبكرة اعتماداً على تشجيع والدها الفنان والشاعر والمربي الراحل كامل حسين، وبمساعدة من والدتها الشاعرة والفنانة ليلى عبد الأمير، لتنمي موهبتها في هذا المناخ الضاج بالفن والشعر، وتسير بخطوات محسوبة من أجل ترسيخ تجربتها الفنية، وعبر العديد من المشاركات التي أقامتها جمعية الفنانين التشكيليين العراقيين ونقابة الفنانين ودائرة الفنون العامة والروابط والتجمعات الأهلية، التي حاولت من خلالها إيجاد موطئ قدم لها في هذا العالم الواسع المليء بالأسماء الكبيرة. ومع أن تأثيرات والدها الراحل لونياً وأسلوبياً فرضت هيمنتها عليها إلى وقت قريب جداً، إلا أنها حاولت التخلص من تلك الهيمنة عبر تجربة تمكنها من ذلك، وهذا ما حاولته في معرضها الشخصي الأول الذي سيكون مدار كتابتنا هذه، وبرأيي فإنها لم تفلح كلياً في ذلك كما سنبين.
بحسب الفنانة التشكيلية الآيسلندية أرنا ميست ياماغاتا:
“يمكن أن تكون اللوحة باباً ينظر إلى الخلف، أو نافذة تنظر إلى الداخل، أو مرآة تعكس مخاوفك ورغباتك الأكثر حميمية. من خلال ثني قواعد الطبيعة دون التخلي عن خطورة الواقع يمكن للوحة أن تتجاوز حدود الحلم والواقع، الخيال والذاكرة، الكابوس والحياة الطبيعية. وبعبارة أخرى فإن اللوحات هي أشعة سينية للتجربة”.
حسناً لننظر بهدوء وتمعن في هذا الرأي، لأنه صادر من فنانة لديها تجربة متميزة ومعروفة عالمياً، ونحاول فهم انعكاساته على التجربة مدار الكتابة، لأنه ينطبق إلى درجة كبيرة عليها، لأن الأعمال الفنية بشكل عام هي تطبيق عملي لأشد رغباتنا غموضاً وأكثرها حميمية، وهي التعبير الأكثر صدقاً لدواخلنا، وهي عملية تفاعل واعٍ ما بين الداخل والخارج، أي بين أشد مناطقنا الدفينة وما يحيط بنا، وهي كذلك تبرز التفاعل بين الذاتي والموضوعي. كما أنها تبرز بشكل واضح وعينا الفكري والفني عبر آليات اشتغال معروفة لكنها تختلف من فنان لآخر اعتماداً على قدراته الأدائية والأسلوب الفني أو مجموعة الأساليب الفنية التي ينتهجها الفنان مساراً إبداعياً. وهي كذلك محاولة للمزج بين ما هو واقعي وما هو حلمي، مع الحفاظ على الخط الفاصل بينهما. ولعل ما تقدم ينطبق نوعاً ما على تجربة الفنانة التشكيلية تيسير كامل حسين في معرضها الشخصي الأول المقام على قاعة الأطرقجي ببغداد / المنصور، والمعنون (ما لا يرى).
لم يكن الجسد الأنثوي في الكثير من التجارب النسائية معبراً عن محاولة إبراز مفاتنه أو محاولات جمالية صرفة، بل كان نوعاً من إبراز هوية الفنانة ومتبنياتها الفكرية والجمالية عبر تجسيده بأشكال مختلفة للتعبير عن روح الفنانة ونظرتها باتجاه ذلك الجسد. ولعل النظرة تختلف كلياً باعتبارها تصدر من ذات النوع. وقد كانت اشتغالات الفنانات تختلف قصدياً وتعبيرياً في العديد من التجارب العالمية المعروفة، كما في تجارب (فريدا كاهلو Frida Kahlo، ولويز بورجوا Louise Bourgeois، وجورجيا أوكيف Georgia O’Keeffe، وآنا مندِيتا Ana Mendieta)، وأخريات كثر ممن أطلق عليهن فنانات الجسد والهوية النسوية.
تكتب الناقدة الأمريكية ومؤرخة الفن ليندا نوغلن، التي نقلت الجسد من كونه موضوع تمثيل إلى موقع فاعل للمعنى والسلطة، في بحثها الطويل المعنون (لماذا لم تكن هناك فنانات عظيمات) ما مفاده بأن:
“ما يميز الفنانات في تناول الجسد الأنثوي هو أن الجسد ليس موضوعاً للنظر فقط، بل صوتاً، تجربة، ذاكرة، وقراراً ذاتياً”.
ومن هذا فإن الصوت يمثل رفضاً صارخاً لواقع مأزوم تعيشه المرأة في معظم دول العالم، وهو صرخة ضد الصمت المطبق الذي يسود إزاء الأزمات المتكررة التي تعاني منها المرأة دون حلول جذرية. أما كتجربة فإنه ينعكس في أعمال عدد غير قليل من الفنانات على مستوى العالم، والذي يظهر من خلال تمثيلهن للجسد. وعلى صعيد الذاكرة فالمرأة هي الأقدر على حفظ الذاكرة أو تمثلها، ولذلك فإن قرارها الذاتي ينم عن وعي يشكل لها اختلافاً في تجربتها عبر فهمها لجسدها وطبيعة النظرة المختلفة إليه من الآخر، ليشكل تجسيدها له سيراً باتجاه حريتها التي تناضل من أجل نيلها، والمفقودة في معظم دول العالم بما فيها الكثير من دول العالم المتحضر. ولا تشذ عن ذلك التجارب الشحيحة في هذا المجال في الدول العربية والعراق بشكل خاص. من هنا فإن تجربة الفنانة تيسير كامل في (ما لا يرى) هي خوض في طريق شديد الوعورة، أو سباحة ضد التيار بمعنى أدق، لأسباب عديدة لعل في مقدمتها مجموعة المفاهيم الأخلاقية ذات المعايير الازدواجية التي تطلق ضد مختلف النشاطات الإنسانية ومنها الفن على وجه الخصوص. فهل تخطت تيسير تلك المعايير في معرضها هذا؟ والجواب سيكون بنعم استناداً إلى عاملين مكناها من ذلك، وهما الوعي والشجاعة.
ثمة سؤال لا يمكننا الإجابة عليه لأنه يتعلق برؤى الفنانة وحريتها في عرض ما يمثلها جمالياً، والسؤال هو: لماذا عرضت الفنانة أعمالاً تمثل أكثر من تجربة أسلوبية في هذا المعرض؟ مع أن ما يربطها هو عملية التشخيص الموجودة في السطوح التصويرية. فقد عرضت سطوحاً يمكننا تصنيفها ضمن المسار التعبيري وكذلك المسار التعبيري التجريدي، وكذلك في سطحين أو أكثر ثمة نوع من التجريد المطلق على الرغم من وجود المشخص وإحالاتنا باتجاه التجريدية الهندسية. وفي هذا المسار بالذات بدت تأثيرات والدها ومعلمها واضحة جداً سواء من خلال الألوان أو التكوينات العامة، وتلك مسألة متعلقة بعامل الوقت، فلا أظنها ستبقى ملازمة لها في التجارب اللاحقة بسبب حرصها وجديتها في العمل على مشروعها الفني الجمالي.
تيسير، وفي مجمل التجارب المعروضة، تبتغي إيصال ما تود الإفصاح عنه بطرائق مضمرة بدت وكأنها تشفيرات قصدية، غير أن الواضح فيها التعبير عن عذابات روحية مبثوثة من خلال الجسد. فهي تعتقد باختلافها وقدرتها على التعبير عن ذلك الاختلاف، لأن النظر إلى الأجساد جيداً يؤكد بما لا يقبل الشك أنها أجساد مطفأة وشبحية في الغالب الأعم، وهي صورياً عارية لكنها مجردة من عريها، لا توحي بأي قدرة على الإثارة الغريزية. وكما أشرنا من قبل، جسدت بثلاثة طرق أوحت بالاختلاف الأسلوبي، وبرأيي فإن تلك الطرق مثلت تسلسلاً زمنياً غير معلن وإن سبقت إحداها الأخرى تجسيدياً.
فالأولى، التي صاحبت التجريد الهندسي، لم تكن أجساداً بشرية بل هي أقرب للمانيكانات، وهي بذلك لم تسلب الأجساد هويتها الإنسانية، بل تشير بوضوح إلى حالات الاستلاب القسري التي تعاني منها النساء في مجتمع رجولي قامع يحد من حريتها. وهي بذلك التجسيد تود أن تستعيد شيئاً من تلك الإنسانية المسلوبة بسبب القمع الممنهج، فالجسد وإن كان دمية إلا أن في داخله إنساناً يصرخ بصمت في محاولة يائسة لتبديل واقعه باتجاه مديات أوسع بحثاً عن حريته. وهي بذلك حاولت أنسنة تلك الدمى بوعي كبير تمكنت فيه من فهم السياق الزمني المختلف الذي تعيش فيه والذي يتعارض كلياً مع اختلافها بسبب فهمها الدقيق له.
وفي الثانية كانت أجساداً بشرية ذات تشخيص واضح الملامح بنظرات تشيح بعيداً عن المتلقي وكأنها تتعمد ذلك تأكيداً لإيصال رسالتها الواضحة بالرفض، وهي أجساد تقعي بلا حراك لكنها منتصبة متحدية في سطوح بدت وكأنها أحادية اللون وضبابية نوعاً ما لتخلق نوعاً من التشوش لدى المتلقي، وهو تشوش قصدي يدعو إلى المزيد من التأمل التفاعلي.
أما الثالثة، وهي الأهم بين التجارب، فهي التي جسدتها بتعبيرية عالية لأجساد مارست فيها قطيعتها مع العالم بشكل واضح، وعبرت عن هذا عبر أوضاع تلك الأجساد التي لا تواجه العالم الذي حيّدها كلياً فحادت بذاتها عنه. وتأكيداً لما أرادت التعبير عنه تعمدت العمل بالألوان المطفأة والمحايدة والأحادية في بعض الأحيان.
ولعل هذه التجربة تؤكد قدرة الفنانة على تفوقها على ذاتها أدائياً، والمعرض بالمجمل كان ناجحاً حققت فيه قصدياتها بشجاعة كبيرة، وهو فاتحة للإفصاح عن موهبة واضحة القدرات عرفت طريقها جيداً وسوف تكون ذات شأن كبير في قادم الأيام.









