ثقافية

عناصر تكوين الرواية بين الحداثة والمطلوب

علي لفته سعيد 

 
قاص وروائي وشاعر وناقد عراقي  
 
الجزء الثاني
 
ما لم يجد عناصر الصنعة متكونة اصلا من خلال الموضوعة او من خلال الغاية التي ادت الى ان يكون الانتاج لا وازع له. لان مفهوم القارئ لا يتعدى عن كون الحداثة هي اللعب في الشكل واستغلال خلخلة التسلسل المنطقي كما هو معمول به في روايات العقود الماضية . فإذا ما اخذنا الروايات البكر.. سنجد إنها جاءت لتلبي حاجة اساسية من حاجات الذات, ثم ننظر الى ما بعدها سنجدها رواية جديدة من ذلك التاريخ الذي تلا مرحلة الولادة أي انها كانت رواية حديثة او ما يصطلح عليه الان ( ميتا رواية) لأنها بسهولة .. ولدت لتكون محمولة على اسباب التجريب ومخالفة لما هو كائن . من اجل اعلاء شان الرواية والانتقال من مرحلة تلبية الحاجات الذاتية الى مرحلة الانتفاع ومن ثم الارتفاع بالمستوى الاجتماعي الطبقي والتعليمي وصولا الى مرحلة استخلاص الكم الفلسفي ومشاغلة العقل لتكوين رؤى جديدة .. وبالتالي صار الابداع كما تقول (ناتالي سارون) هو الذي لا يراه غير المبدع . كون ان كل ما يقال مأخوذ من واقع معيش لكنه بعيد عن رؤية القارئ مهما تغرب عنه ومهما كانت درجة عمق المخيلة. ان الاختلاف الذي تبناه الكتاب في ان تكون رواياتهم (حداثوية) .. لا يخرج على سياق اساسيات تكوين الرواية الا بما تسمح الفكرة (الموضوعة) بالتلاعب بالشكل لأسباب عديدة . ومن هنا ..فان الصنعة هي واحدة من اساسيات الارتقاء , فيتخذها المنتج سبيلا . لان الطريق الموصل الى مشاغلة العقل وعد النص الروائي نصا مكتوبا لا مقروءا .. يبدأ من خلال استلهام روح العصر وتفسيره تفسيرا عقلانيا ,مستفيدا من التجربة الإنسانية .. وكل ذلك مرده لان يجعل القارئ يشاركه في من جديد في كتابة ثانية للرواية كما يقول النقاد في مفهوم التلقي . ومن الأصح أن نقول .. ان يفهم القارئ القصدية ومغزى العمل الذي أراده الكاتب حتى لو تشعبت تلك القصديات .. لان في هذا التشعب يكمن  الإبداع .. ويأخذ العمل مساحات واسعة من التفكير والمناقشات والتحليل للوصول إلى غاية الكاتب ومداركه بعيدا عن كل حقول ومصطلحات النقاد.. لانها لن تقف عند حد فسرعان ما يأتون بشيء جديد ليجدوا أنفسهم وقد تخلوا عما جاءوا به سابقا نتيجة لتطورات العصر او لتطور رؤاهم . ولنا في البنيوية مثال على ذلك.
نعود الى سؤالنا .لنقول وجهة نظرنا بهدوء لا تحتمل الغموض . ان الرواية .. ماهي إلا كتاب حافل بأجزاء المتناقضات والمتفقات وجامع لأجزاء الدروس المختلفة للعلوم الاخرى . وحامل قصديات يراد منها تخويل الذات بان تخاطب الاخر من زاوية غير منظورة او من خلال خط وهمي يتصل بالصفحات وينتهي بفهم المغزى , ومداعبة العقل واستغلال طاقاته الفيزياوية لتكوين فعل اخاذ يتحرك كحركة الذرات التي تتلاقح لإنتاج خاصية فلسفية لها ابعاد تشويقية.
فهل تكون الرواية الحديثة حاملة هذا الرأي هي الاجدى والأنفع للقارئ , ام تبقى الرواية التي عرفت بقاموس اكسفورد هي الرواية التي يجب ان لا تغيب عن الحسبان؟ ان الاجابة هنا . ستكون محض افتراء .. لان الرواية الحديثة يجب ان لا تخرج على كونها رواية حاملة عناصرها التكوينية .. بعيدا عما يبتغي منتجها من ان تكون صنعته الغاية القادرة على تلبية احتياجاته الاعلامية . وكذلك فان الرواية الواقعية او التقليدية او ما يقال عنها الان (الرواية القديمة).. لم تعد تواكب روح العصر .. اذا بقيت على مسارها .. تتابع حركة الشخصيات وتقوم برسم المكان والإطناب بالسرد على حساب المغزى . لذلك نرى ان الرواية هي مزج بين الحالتين . وتلك خاصية الابداع القادرة على رسم عناصر الرواية التي يتقبلها القارئ ويسارع الى قراءتها . فكم من رواية اسهم النقاد في صناعة جودتها لكنها بقيت حبيسة الرفوف والعكس صحيح.

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان