ثقافة شعبية

من ضجيج الموتى إلى عزلة المونودراما

قراءة في مسرحية “ظلمة: نصان لمسرحية واحدة” لعلي لفته سعيد

بقلم: د. مراد ترغيني

يقف الخطاب المسرحي العربي المعاصر أمام مأزق إبستمولوجي وجمالي مركب؛ فكيف يمكن صياغة فداحة الواقع المأزوم، وانهيار الأنساق الكبرى، دون السقوط في فخاخ المباشرة الفجة أو الخطابة الأيديولوجية؟ في كتابه “ظلمة: نصّان لمسرحيةٍ واحدة”، يقدم الكاتب العراقي علي لفته سعيد مقترحاً دراماتورجياً شديد التعقيد والابتكار، متجاوزاً مفهوم “النص المنجز” ليضع المتلقي (القارئ والمخرج معاً) داخل “مختبر مسرحي” مفتوح. إن إقدام الكاتب على نشر نصين متوازيين للثيمة ذاتها؛ الأول يعتمد البنية المتعددة الأصوات (البوليفونية)، والثاني يعتمد بنية الصوت الواحد (المونودراما)، ليس مجرد تمرين أسلوبي أو استعراض لمرونة القلم، بل هو في جوهره استراتيجية سيميائية وبنيوية مقصودة. هذا الخيار الهيكلي يجسد، على مستوى الشكل قبل المضمون، المسار التراجيدي لانحدار المثقف العربي من وهم “الفاعلية والحوار” إلى يقين “العزلة والتشظي”. في هذه القراءة، سنعمد إلى تفكيك هذا العمل عبر مقاربة سيميائية تعنى بقراءة العلامات البصرية والسمعية، ومقاربة بنيوية تدرس دلالات التحول من تعددية الشخوص إلى انغلاق المونودراما.

تبدأ المقاربة السيميائية العميقة لأي نص مسرحي من قراءة “الديداسكاليا” (الإرشادات المسرحية)، بوصفها ليست مجرد توجيهات تقنية للمخرج، بل نظاماً من العلامات (Signs) التي تؤسس للفضاء الدلالي للعرض. يؤسس علي لفته سعيد في “ظلمة” فضاءً سينوغرافياً هجيناً تتصادم فيه أنساق مكانية متناقضة؛ حيث تتداخل “المقبرة” بشواهدها بوصفها دالاً للموت والسكون والتاريخ المثقل بالدم، مع “المكتبة” بكتبها وأوراقها المتناثرة بوصفها دالاً للمعرفة والوعي والكلمة. هذا التداخل يخلق ما يمكن تسميته بـ “الهيتروتوبيا” (المكان الآخر أو الفضاء المتغاير)، حيث يفقد المكان هويته الأحادية ليصبح برزخاً كابوسياً. في هذا الفضاء، تنفصل “العلامة اللغوية” عن وظيفتها التواصلية؛ فالكتب تتحول إلى أكفان، والحروف تتطاير لتستحيل إلى شواهد قبور. إنها سيميائية الخراب، حيث تُهزم المعرفة أمام سلطة الموت، ويصبح المثقف (الروائي علاء) محاصراً في جغرافيا لا تعترف بفاعلية العقل.

ولعل العلامة البصرية الأقوى والأكثر كثافة في هذا الفضاء هي “الدراجة الهوائية المقلوبة”. من منظور سيميولوجي، الدراجة في وضعها الطبيعي هي “علامة أيقونية” للحركة، التقدم، والانتقال من نقطة إلى أخرى. لكن الكاتب يعمد إلى قلب هذه العلامة وتفريغها من مدلولها الأصلي. يطلب الكاتب من بطله أن يدير العجلة الخلفية للدراجة المقلوبة بقوة حتى يلهث. هذه الصورة الحركية (البيوميكانيكية) تتحول إلى “استعارة بصرية” بالغة القسوة لحالة المثقف العراقي والعربي؛ فهناك طاقة حركية هائلة تُبذل، ولهاث مستمر، وعجلة تدور بسرعة جنونية، لكن المحصلة الفيزيائية والتاريخية هي “الصفر”. إنها حركة في الفراغ لا تنتج تقدماً، بل تعمق الإحساس باللاجدوى والركود. العجلة التي تدور في الهواء هي المعادل الموضوعي لعقل المثقف الذي ينتج الكلمات والنظريات في واقع مقلوب لا يلامس فيه الفكر أرض الواقع.

علاوة على التفكيك السيميائي لفضاء الخشبة، لا يمكن إغفال البعد الإبستمولوجي الذي طرحه الكاتب عبر توظيف تقنية “الميتا-مسرح” (المسرح داخل المسرح) والتناص السردي. إن اختيار مهنة “الروائي” للبطل (علاء) يخرج النص من حيز الصراع السياسي المباشر، ليدخله في حيز “المرجعية الذاتية” (Self-reflexivity). نحن أمام كاتب مسرحي يكتب عن روائي يصارع من أجل كتابة نصه وسط الخراب. هذا التداخل الأجناسي يحول “فعل الكتابة” ذاته إلى بطل تراجيدي. حين تتطاير أوراق علاء وتتحول إلى شواهد قبور، فإن الكاتب يعلن سيميائياً عن “موت المؤلف” (ليس بالمعنى البارثي المجازي، بل بالمعنى الوجودي العنيف). إن الميتا-مسرح هنا يعمل كمرآة عاكسة؛ فالمتلقي لا يشاهد مأساة مواطن مقموع فحسب، بل يشاهد مأساة “اللغة” حين تفقد قدرتها على التسمية، ومأساة “المعنى” حين يتم اختطافه وتدويره في ماكينة السلطة.

بالانتقال إلى التحليل البنيوي للنص الأول، نجد أن الكاتب يعتمد بنية درامية تبدو في ظاهرها “بوليفونية” (متعددة الأصوات) وفق المفهوم الباختيني. البطل “علاء” يغفو ليجد نفسه في مواجهة أشباح عائلته (الأب، الأم، الأخ الشهيد صلاح) وصديقه، بالإضافة إلى “أصوات” مجهولة. كل شخصية هنا تمثل “شفرة أيديولوجية” أو عاطفية محددة: الأب يمثل شفرة الخضوع التاريخي والبراغماتية المنهزمة، الأم تمثل شفرة العاطفة الفطرية والوطن في تجلياته الرعوية البسيطة. أما “الأصوات”، فهي تعمل كعلامة سمعية قمعية، تمثل الهيمنة الشمولية، وتجار الحروب، والمؤسسة الدينية المسيسة. ورغم هذا التعدد، يكتشف المحلل البنيوي أن هذا الحوار هو في جوهره “حوار مونولوجي” مقنع؛ إذ لا يحدث أي تفاعل حقيقي يغير من قناعات الشخوص. إنها حوارات طرشان، تصطدم فيها محاولات “علاء” العقلانية بجدران صلبة من الموروث والخوف. النص الأول يمثل، إذن، مرحلة “الاشتباك الخارجي”، حيث لا يزال المثقف يتوهم قدرته على تفكيك خطاب السلطة والتاريخ عبر المحاججة.

وفي سياق هذا الاشتباك الخارجي في النص الأول، يبرز تفكيك شفرة “الجسد المستلب” من خلال شخصية الأخ الشهيد (صلاح). لا يكتفي الكاتب بطرح صلاح كرمز للتضحية، بل يغوص في مفهوم “تسليع الشهادة”. يكتشف علاء وصلاح معاً أن السلطة والانتهازيين لم يكتفوا بقتل المعارض، بل صادروا جثته وتاريخه ليصنعوا منها سردية تخدم بقاءهم. إن حوار علاء مع أخيه الميت هو تعرية سوسيولوجية لآلية اشتغال السلطة التي تحول دماء الضحايا إلى أرصدة سياسية. هذا البعد يثري التحليل البنيوي، إذ يؤكد أن الصراع ليس فقط على “الحياة”، بل على “من يمتلك حق تأويل الموت”.

تتجلى العبقرية الدراماتورجية في الانتقال إلى النص الثاني، حيث يعمد الكاتب إلى “تهشيم” البنية البوليفونية لصالح بنية “المونودراما”. إن هذا التحول ليس اختزالاً كمياً لعدد الممثلين، بل هو تحول “أنطولوجي” (وجودي) في طبيعة الصراع. في المونودراما، يتم إفراغ الخشبة من الأجساد المادية للآخرين، ليتحولوا إلى مجرد “أصوات” (Voice-overs) تتردد في الفضاء. سيميائياً، هذا يعني الانتقال من “العلامة الأيقونية” (الجسد الحاضر) إلى “العلامة الإشارية” (الصوت كأثر لغياب الجسد). الصراع هنا ينتقل من الحيز “الخارجي” (بين الذات والمجتمع) إلى الحيز “الداخلي” (داخل جمجمة البطل). المونودراما في مسرحية “ظلمة” هي مسرحةٌ للتشظي النفسي والانهيار العصبي للمثقف. لم يعد علاء يجادل مجتمعاً، بل يجادل هلوساته وكوابيسه. لقد اكتملت دائرة العزلة، وأصبح العقل يأكل نفسه في فضاء مغلق لا منافذ فيه.

في هذا النص المونودرامي، تتعاظم وظيفة العلامات غير اللغوية لتعويض غياب الحوار الخارجي، وتبرز هنا “سيميائية الألوان” والتحولات الضوئية كعنصر سردي موازٍ. الإضاءة التي تتغير ألوانها من الأزرق (البرود/العدم) إلى الأحمر (الدم/الخطر) إلى الأبيض (الكشف الفاضح)، وتضييق بقعة الضوء واتساعها، لا تعمل كمجرد ديكور، بل تتحول إلى “عوامل فاعلة” (Actants) وفق نموذج غريماس السردي. إنها قوى مضادة تشارك في محاصرة البطل وخنقه. لقد طبق الكاتب هنا بامتياز مفهوم “مسرح القسوة” عند أنطونين آرتو، حيث تتضافر كل عناصر العرض (الصوت، الضوء، الحركة) لتشكيل ضغط نفسي هائل يمارس عنفاً بصرياً على الممثل والمتلقي معاً.

وفي ذروة هذا النص، نصل إلى انهيار “العلامة اللغوية” ذاتها؛ حيث يدرك علاء أن الكلمات التي أفنى عمره في صياغتها قد تمت مصادرتها وتفريغها من مدلولاتها. “الأصوات” هي التي باتت تحدد معاني الكلمات، محولةً إياها إلى أدوات للقمع وتزييف الوعي. هنا يعلن المثقف هزيمته المطلقة، ليس فقط أمام السلاح، بل أمام اختطاف “اللغة” ذاتها. إنها اللحظة التي يدرك فيها أن محاولته لترتيب أبجدية العالم قد باءت بالفشل أمام فوضى الدم.

إن قرار علي لفته سعيد بنشر النصين معاً يمثل موقفاً فكرياً وجمالياً متقدماً. إنه يضع المتلقي أمام تشريح إكلينيكي لمراحل الهزيمة. النص الأول يوثق “مرحلة المقاومة والصدام”، بينما يوثق النص الثاني “مرحلة السقوط في العدم والجنون”. كما أن هذا الخيار يقدم “نصاً مفتوحاً” (بالمعنى الذي طرحه أمبرتو إيكو)، يمنح المخرج المسرحي حرية اختيار الشفرة التي يريد تفكيكها؛ إما تفكيك البنية السوسيولوجية والسياسية عبر النص المتعدد، أو تفكيك البنية السيكولوجية المنهارة عبر المونودراما. في المحصلة، تعد مسرحية “ظلمة” مرثية قاسية ومحكمة البناء للعقل العربي، صاغها كاتب يمتلك وعياً حاداً بسيميولوجيا الخشبة، مدركاً أن المأساة المعاصرة لم تعد تتسع لها قوالب الحوار التقليدية، بل تتطلب تفكيكاً كاملاً للعلامة المسرحية، وصولاً إلى الصمت المطبق الذي يبتلع كل شيء.

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان