عبد الأمير المجر
رزاق عداي، اسم كنت أقرؤه في الصحف قبل دخولي الوسط الثقافي مطلع تسعينيات القرن الماضي، ثم تعرّفنا إلى بعضنا في مقهى (حسن عجمي)، بعد أن صار يقرأ لي محاولاتي الأولى في كتابة القصة. ومنذ أن عرفته أحببت فيه شيئين مهمين قلّما يجتمعان في شخصية واحدة: ثقافته الرصينة، وأخلاقه العالية، وعدم تعاليه أو غروره، وهو ما لمسته عند البعض ممن تأكد لي لاحقا أنهم فارغون!
مثل الكثيرين من الشباب العراقي في العقود السابقة، انضم رزاق عداي إلى (اليسار) السياسي، لكني حين تعرّفت إليه كان قد غادر هذه المنطقة. وراح يزيد من تأملاته في المشهد العالمي. فيتحدث عن جماعة فرانكفورت وهربرت ماركوزة وغيره ممن أتوا برؤى جديدة لليسار ويتحدث عن الليبرالية والتطور الطبيعي للحياة، ويعبّر باستمرار عن اعجابه بالفيلسوف جان جاك روسو ونزوعه نحو الحرية.
في مرحلة التسعينيات، كانت صدمة انهيار المعسكر الاشتراكي تلقي بظلالها على النفوس والعقول، والعراق في الفخ الأميركي الذي تعمّق بشكل غير معقول نتيجة لهذه التداعيات، فيما أطبق الحصار الاقتصادي على منافذ الحياة وحوّلها إلى كابوس حقيقي. ووسط تخبط البعض في نقاشات ظلت اقرب الى المناكفات، سبق رزاق كثيرين إلى قراءة الواقع الدولي وتداعيات الأحداث، وكنت ألمس ذلك أثناء حواراتنا، فقراءاته لم تقتصر على الكتب الفكرية التي يغرق بها البعض ويفوّتون على أنفسهم فرصة التأمل فيما حولهم، من خلال متابعة وقراءة التحولات السياسية واسقاطاتها على الحياة الاجتماعية، فتراهم ينظّرون في الهواء ويلوكون الكلام المستعاد، وإن بلغة جديدة!
لقد ظل عصاميًا في سيرته، مثقّفا نفسه بمتابعة الجديد ومن منابعه الأنقى، بعيدا عن سواقي الإعلام الآسنة! فحين تتحدث إليه تشعر بامتلائه وسعة معلوماته، وحين يكتب يكثّف قدر الإمكان ولا يطنب، وتكون مادته مليئة بالمعلومات التي تسعف الفكرة أو الموضوع الذي يتحدث عنه، مع أني أرى سرده بشكل عام يفتقد الرشاقة التي تناسب مستوى أفكاره العميقة!
عُرف رزاق عداي في الوسط بأنه ناقد أدبي، لكنه لم يتخصص في هذا المجال وحده، بل كان لديه همّ ثقافي اوسع ورؤى حياتية، ظل يعبّر عنها بمقالاته ذات الطابع الفكري العميق. ولعل الشيء الأهم في شخصيته هو أنه ليس لديه عداء شخصي مع أحد، وإنما له خلافات ثقافية أو فكرية يعبّر عنها في كتاباته أو حواراته مع الآخرين؛ لذا لم يستهلك نفسه في صراعات جانبية غير مجدية، كما يفعل البعض، أو ربما لأن طبيعة شخصيته الهادئة وهبته هذه (النعمة) بالفطرة!
لقد أصدر، قبل عامين تقريبا، كتابا بعنوان (العراق: البقعة الأخطر في العالم)، وهو مجموعة مقالات صدرت عن منشورات الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق. تناول فيه موضوعات راهنة تتعلق بمستقبل العراق، عائدا إلى جذور الصراعات الدولية وموقع العراق الحساس بالنسبة إلى القوى الكبرى، وكيفية تأثره بمشاريعها، والمشاكل التي واجهته وتسببت له بكوارث، بسبب عدم قراءة ساسته، على مر العقود الماضية، لعبة التوازنات الدولية وتقديرهم لأهمية العراق كموقع جيوسياسي، والتفاهمات (السرية والعلنية) بشأنه.
وهو ما يكشف عن ثقافة سياسية عميقة تتجاوز الانفعالات العقائدية والحماسة الثورية التي علقنا بها بعد أن تبنّتها جميع الأطراف المتصارعة على السلطة، وتحديدا بعد العام 1958. وهي جميعها قوى ذات نزعات شمولية واصولية ومعادية للغرب بشكل (غريزي)، مع أنها جميعا تتحدث الآن بوصفها ليبرالية، كانت تسعى إلى إقامة نظام ديمقراطي في العراق!
رزاق عداي، كما أراه، يمتلك عقل مفكر، وفي السياسة يمتلك رؤية عميقة. ومن سوء الحظ أنه وُلد في زمن مليء بالصراعات والحروب والاضطرابات التي غيّبت الكثير من موهبته ولعقود. وأرى أيضا أنه لا يختزل بهذه السطور، لكننا آثرنا أن نمر على شيء من سيرته بعجالة مثقلة بالمحبة.
الصورة: في مقهى الشابندر بالمتنبي قبل نحو عقدين.. بالقميص المخطط!









