( ضجيج بلا نواح)
اياد خضير / العراق
أيُّ حلم هذا الذي يراودني؟ ثمّة أشجار تعرّتْ كأن الخريفَ قد حلّ بها.تعبر البحر كفقمةٍ لا يحز الماء فيها إلا بعض خدوش. أو كسفينةٍ دون ربانٍ وبحارة متعبين، دون أشرعة.
سفينة تحمل أكفاناً للموتى الذين ينتظرون انهيال التراب عليهم.تموت أم تنتحر؟ كلٌّ على حدٍّ سواء.
لكنها تمخر عباب الماء ببطء… وبغتةً يهرب منها الماء و… السراب. تقبع في جوف البحر هازئة من القدر.أدّثر أفكاري لئلا تأكلها النار المتجمدة. أفكاري لا تطمسها الغابات الكثيفة والأشجار العارية.
الصيف في لجةٍ لا يسمح أن أحاور الصخور الجاثمة فوق هؤلاء الموتى.الزمان الفضي لم يمض أوانه بعد.
الآهات مازالت تمسك بقدمي البطيئتين. الغروب قادم والموت يرهب النفس.أشاهد توابيت انخلعت عن السفينة تبحث عن نهرٍ أو جرف لتروي عطش الموتى. وأنا أنظر إليهم فاغري أفواههم وينظرون إليَّ بتوسل.
المنظر يرعبني. أصلي… لكنّ صلاتي كرغبة العصافير في تكوينِ أعشاشها في السقوف. سقوف هذه الأشجار التي تعرّت عن غصونها.وبغتة عاد البحرُ يجرف التوابيت نحو أعماقه. لم أرَ الموتى على الشاطئ.
اقتربتُ أكثر… شاهدتُ الموتى في مقبرة كبيرة كان البحر قد رفضها. لا توجد دلالات للموت.
سمعت صوتاً سيمفونياً على بقايا عيدان في الجذوع. غمرتني دوامة هواء وأخذت تدور بي. رقصت على أنغام السيمفونية الحزينة. كأنني حيوان أبكم أتمتم بجروحي. أردد في داخلي أهزوجة الإنسان المنسي المنطوي في دثار الكفن.
مات الماضي… م..ا..ت.
حكتُ له كفناً طرياً.
دائماً ما كنت أُحبّذُ الأكفان الطرية لتنزلق عليها الشفاه عند الوداع. الوداع حار كحرارة السمك المشوي وهو يصافح أسناني.كان النعش يهتز. الأكفان تتأرجح كحبل المشنقة الرهيبة.
كان لابد من ذاك. المأساة مريعة. ولكن علينا إجلاء الصدأ عن أعناقنا وأن نقيد أيادينا بالطبع الحاد.
في قرارة عين كل ساحرٍ ماجن دمعة مطلية بالزيت… كأنها مستقرة إلى الأبد مثل الخلود الذي علينا أن نحاربه.العالم لانهاية له. ولكنها الزوارق التي مازالت ترسو في موانئ السكون.
المخاض أوشك أن يشتري النفوس بقطرة ماء.علامة الفجر نقطة سابحة في ظلال جبل أزرق. نتوحّد كسطور… مبتعدين إلى أركانٍ أسمى من المعاني. فأمامنا ديار من اللحظات الأخرى العظيمة.
أما العتمة…
فقد تنشق عن أفقٍ أخضر يدجنها ويرصف الأحزمة. ثم يغط في النعاس كظلال غير مرئية. أو ينشق ذلك الأفق وينفرط كحبات مسبحة طويلة… مملوءة بالبواكير ومرصوفة كالجند أيام السلام.
مصابيح الأرصفة مضاءة تفضح الجباه المتغطرسة.
تفضح أسرار العدوان.
وقف الوجود المترهل باليبوسة.
والأمل السافل يبعث كأول حبة اندلقت.
وأول زورق انبقر عند المصب.
وشبكة الصياد تعلوها الحراشف والنبات المحوطة بمياه العدم.
قالت المدينة:
“سأبات بلا نواح”
وقد غطى العيون ضجيج من الرؤى والتخيل.في سطور الفجر يتعجل القناص الفريسة. المساجد بلا آذان في ظلال العتمة المنشقة من الجبل الأزرق. الأنثى تتجمل بالمقياس وتحلم بالانتظار الزمني.
تعلوها سواقي الألم كقربة تتعلق بالجماجم.وللأعناق نربح معركة الأبد الخاسرة… كما نربح شوط الدمج إسوة بالقطط التي لا تموت.كم نربح وكم نخسر أنفسنا في صلاة لا تقوم على وتد.
وعيوننا لا تتحجر… إنها تتبرعم على الشفاه. ولون الشفاه أحمر كالحبر السيال.
نغني أغنية كالموت…
ونجرح طراوة الأصابع.
لا تجرح… ولا تسيل قطرة من دم.
فعنابر السكون تقفز حول القعر وتغني مع الحزن أغنية العصافير التي انتحرت.









