ثقافة شعبية

موعدنا في شهر آب”.. الرواية التي تهمس أكثر مما تصرخ

علاء أحمد الشاهين

يبدو أن رواية (موعدنا في شهر آب) تمثل وداعاً أدبياً هادئاً للكاتب الكولومبي الكبير غابرييل غارسيا ماركيز، فهي لا تسعى إلى إبهار القارئ عبر الحبكة المتشابكة أو المفاجآت الدرامية، وإنما تدعوه إلى تأمل الزمن، والرغبة، والوحدة، وما يبقى من الإنسان حين يتآكل يقينه. وعلى الرغم من أن الروايةتم نشرها بعد وفاة ماركيز، وقد أثير حولها جدل بسبب عدم اكتمالها وفقاً لما كان يريده الكاتب، فإنها تحتفظ بقدر واضح من بصمته الأسلوبية، وبذلك الإيقاع الهادئ الذي يجعل التفاصيل اليومية أكثر قدرة على الكشف من الأحداث الكبرى.

تتمحور الرواية حول (آنا ماغدالينا باخ) ، وهي امرأة في منتصف العمر اعتادت أن تزور جزيرة صغيرة مرة واحدة كل عام، في السادس عشر من آب، لتضع باقة من الزهور على قبر والدتها. يتكرر هذا الطقس السنوي حتى يصبح أشبه بشعيرة شخصية تحفظ علاقتها بالماضي، غير أن إحدى هذه الزيارات تفتح بابًا غير متوقع في حياتها، إذ تنخرط في علاقة عابرة مع رجل غريب، لتبدأ بعد ذلك رحلة داخلية تعيد فيها النظر إلى زواجها، وجسدها، وصورتها عن نفسها، وعن معنى الحرية والرغبة.

لا يتعامل ماركيز مع هذه العلاقة بوصفها فضيحة أخلاقية أو قصة حب تقليدية، بل يجعلها أداة لأختبار التحولات النفسية التي تصيب امرأة ظنت أن حياتها قد استقرت إلى الأبد.

إن الرواية في جوهرها ليست عن الخيانة، وإنما عن اكتشاف الذات في مرحلة يعتقد الإنسان فيها أن كل شيء قد تم حسمه. ولهذا تبدو الأحداث الخارجية محدودة، بينما تتسع مساحة التأمل الداخلي، حتى تصبح الشخصية نفسها هي الحدث الحقيقي.

من أبرز ما يميز الرواية أن ماركيز يكتب عن الشيخوخة والرغبة من دون أحكام مسبقة. فهو يمنح بطلته حق التساؤل وحق الخطأ في ذات الوقت، ويعامل مشاعرها بقدر كبير من الإنسانية. ففي مجتمع اعتاد أن يربط الرغبة بالشباب، تأتي الرواية لتقول إن الحاجة إلى الحب والدهشة لا تنتهي مع تقدم العمر، وإنما تتغير أشكالها وتزداد تعقيداً. ومن هنا تكتسب الرواية بعدها الإنساني، إذ لا تدافع عن السلوك بقدر ما تحاول فهم دوافعه.

ويبرز الزمن بوصفه الشخصية الخفية في العمل. فكل زيارة إلى الجزيرة ليست مجرد رحلة مكانية، وإنما عودة إلى الذات القديمة، ومواجهة مع الذات الجديدة. إن التكرار السنوي يمنح السرد إيقاعاً دائرياً، وكأن الحياة لا تسير في خط مستقيم، بل تعود باستمرار إلى الأسئلة نفسها، وإن كانت الإجابات تتبدل مع كل عام. يقول ماركيز في أحد المقاطع:

(كانت الجزيرة هي نفسها، لكنها لم تعد المرأة نفسها.) في هذه الجملة القصيرة تتجسد الفكرة الأساسية للرواية، فالثبات الحقيقي ليس في الإنسان، بل في الأمكنة والذكريات، أما الإنسان فإنه يتغير حتى وهو يظن أنه يعيش الحياة ذاتها.

تتميز لغة الرواية بالبساطة والشفافية، مبتعدة عن الزخرفة البلاغية التي عرف بها ماركيز في أعمال مثل مئة عام من العزلة أو الحب في زمن الكوليرا. هنا تبدو الجمل أقصر وأكثر هدوء، وكأن الكاتب نفسه يكتب وهو يودع عالمه الأدبي. وتظهر الطبيعة – البحر، والجزيرة، والفندق، والطريق إلى المقبرة – بوصفها امتداداً للحالة النفسية للشخصية، لا مجرد خلفية للأحداث.

ومن اللافت أيضاً، أن الرواية تكاد تخلو من الواقعية السحرية التي صنعت شهرة ماركيز العالمية. فالعجائبية هنا ليست في ظهور الأشباح أو اختراق قوانين الواقع، وإنما في قدرة التفاصيل اليومية على كشف هشاشة النفس البشرية. ولهذا يمكن اعتبار الرواية أقرب إلى التأمل الفلسفي منها إلى السرد الملحمي، وهو تحول يعكس نضج الكاتب في سنواته الأخيرة.

ورغم هذه المزايا، لا تخلو الرواية من مواطن ضعف. فالإيقاع يبدو مترددا في بعض المواضع، كما أن بعض الشخصيات الثانوية تظل باهتة الحضور، وهو أمر قد يرتبط بكون العمل لم يصل إلى الصيغة النهائية التي كان ماركيز ينوي نشرها بنفسه. كذلك يشعر القارئ أحياناً بأن بعض الخيوط السردية تنتهي قبل أن تبلغ ذروتها، مما يترك انطباعاً بأن النص ما يزال يحتفظ بطابع المسودة الأدبية.

ومع ذلك، فإن قيمة الرواية لا تكمن في اكتمالها الفني بقدر ما تكمن في أسئلتها الوجودية. إنها تذكر القارئ بأن الإنسان قد يعيش عمراً كاملاً وهو يجهل نفسه، وأن لحظة واحدة كفيلة بأن تهز يقيناً تم بناءه عبر عقود. وتؤكد أيضاً أن الذاكرة ليست مجرد استرجاع للماضي، بل قوة تعيد تشكيل الحاضر في كل مرة نستحضرها.

ربما تبدو (موعدنا في شهر آب) رواية صغيرة من حيث الحجم، لكنها عميقة من حيث الدلالة. فهي لا تنافس الأعمال الكبرى لماركيز من حيث البناء أو الابتكار، لكنها تضيف بعداً جديداً إلى عالمه الأدبي، إذ تكشف اهتمامه المتأخر بأسئلة الشيخوخة، والحرية الفردية، والزمن، والرغبة الإنسانية.

إنها ليست خاتمة صاخبة لمسيرة روائي عظيم، بل همسة أخيرة يتركها للقارئ، كأنها تقول إن أكثر الرحلات أهمية ليست تلك التي نقطعها بين المدن، بل تلك التي نقطعها داخل أنفسنا.

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان