ثقافة شعبية

بين العتاب والأمل

تأملات في نزيف الهوية في مرآة الضمير الجمعي، قراءة في قصيدة أقِل عتابك للدكتور غزوان الوردي

 (الحلقة الأولى)

داود سلمان عجاج

ليست الهوية، في بعدها الإنساني العميق، مجرد اسم يحمله الإنسان، أو أرض يولد فوقها، أو ذاكرة يستعيد منها بعض الصور كلما ابتعد عن المكان. فالهوية أعمق من ذلك كله؛ إنها علاقة متشابكة بين الإنسان وذاكرته، وبين ذاكرته ومكانه، وبين المكان وما يتركه الزمن فيه من آثار لا تزول بسهولة. ومن هنا فإن سؤال الهوية لا يظهر عادة في أوقات الاستقرار والطمأنينة، بقدر ما يظهر حين يشعر الإنسان بأن شيئاً ما يتداعى من حوله، أو حين تصبح المسافة بين ما كان عليه وما آل إليه واسعة إلى الحد الذي يجعله يسأل: من نحن؟ وما الذي بقي منا؟ وهل ما زال المكان الذي نحمله في دواخلنا هو المكان نفسه الذي نراه بأعيننا؟

ولعل الشعر هو أكثر الأجناس الأدبية قدرة على التقاط هذه اللحظة المربكة؛ لأن القصيدة لا تبحث عن إجابة جاهزة بقدر ما تكشف الجرح الذي ولد منه السؤال. ولهذا فإن قصيدة “أقِل عتابك” للدكتور غزوان الوردي لا تبدو مجرد خطاب عاطفي إلى الوطن، ولا مجرد حنين إلى زمن مضى، وإنما تنهض بوصفها تجربة وجدانية تتقاطع فيها الذات الفردية مع الذاكرة الجمعية، ويتداخل فيها العتاب بالحب، والجرح بالانتماء، والماضي بالأمل.

فالذات الشاعرة هنا لا تقف خارج الوطن لتتأمله، وإنما تتكلم من داخله، وكأن العراق ليس موضوعاً للقصيدة بقدر ما هو جزء من تكوينها الداخلي. ولذلك تتخذ العلاقة بين الشاعر والوطن صورة علاقة حية قابلة للعتاب؛ فالذي لا يعني له الآخر شيئاً لا يعاتبه، والذي فقد الأمل فيه لا يطلب منه العودة، أما العتاب في هذه القصيدة فيكشف عن بقاء الخيط الوجداني رغم كل ما أصابه من اهتراء. ومن ثم فإن عبارة “أقِل عتابك” لا تحمل معنى اللوم وحده، وإنما تختزن رغبة خفية في استعادة العلاقة، وكأن الشاعر يقول للوطن: ما زلت أخاطبك لأنني لم أفقد قدرتي على انتظارك.

ومن هذه الزاوية، تصبح الهوية في القصيدة فعلاً مستمراً لا حقيقة مكتملة. فالإنسان لا يولد وهو يحمل كل معاني انتمائه جاهزة، وإنما تتكون تلك المعاني عبر التجربة، والذاكرة، والألم، والأماكن التي تترك بصمتها في الروح. وما يجعل المكان وطناً ليس حدوده الجغرافية وحدها، بل ما يترسب فيه من طفولة ووجوه وأصوات وبيوت وأحلام وغيابات. ولذلك فإن الشاعر حين يقول “أنا ابن جرحك” لا يقدم تعريفاً نسبياً بالمعنى المألوف، وإنما يقدم تعريفاً وجودياً؛ فهو ابن التجربة التي عاشها، وابن الألم الذي تشكلت داخله صورته عن الوطن.

وفي هذا السياق يمكن استحضار فكرة “هايدغر” عن الإنسان بوصفه:

 “كائناً يُلقى في عالم لم يختره، ثم يحاول أن يمنح وجوده معنى”

غير أن الشاعر هنا لا يكتفي بالوجود في المكان، بل يحوّل ذلك الوجود إلى انتماء، والانتماء إلى ذاكرة، والذاكرة إلى مسؤولية.

أما “باشلار” فيرى:

“أن المكان لا يُقاس بما يشغله من مساحة، وإنما بما يوقظه من أحلام”

وهذه الفكرة تقترب كثيراً من عالم القصيدة، حيث يتحول العراق من جغرافيا إلى فضاء حالم يسكن الوجدان.

ومن هنا تحديداً يبدأ نزيف الهوية في القصيدة؛ فالشاعر لا يرث وطناً مكتملاً، بل يرث جرحاً، ولا يجد أمامه ماضياً خالياً من الانكسارات، وإنما يستعيد منه ما يستطيع أن ينقذ به صورته عن الوطن. ولهذا تتجاور في النص صور الضمأ والماء، والجرح والنور، والعتاب والحب، والشيخوخة والطفولة، والماضي والمستقبل. وهذه الثنائيات لا تأتي للزينة البلاغية، بل تؤسس للحركة الداخلية للقصيدة؛ إذ إن الشاعر يتحرك باستمرار بين ما يؤلمه وما يأمل في استعادته.

وعلى هذا الأساس، فإن قراءة القصيدة من منظور الهوية في مرآة الضمير الجمعي تكشف أن الشاعر لا يتحدث عن ذاته وحدها، بل يجعل من تجربته الفردية نافذة على تجربة أوسع. فالجرح الشخصي يتحول إلى جرح جماعي، والعتاب الخاص يتحول إلى مساءلة للأمة، والحنين إلى الماضي يتحول إلى سؤال عن المستقبل. ولذلك لا تنتهي القصيدة عند حدود الشكوى، وإنما تسعى إلى إنقاذ المعنى من الانهيار؛ إذ يظل الأمل، مهما بدا بعيداً، حاضراً بوصفه إمكانية للمقاومة.

العتاب بوصفه علامة على استمرار الحب….

يبدأ الشاعر بقوله:

“أقِل عتابك ما في العشق من عتبِ

وخذ بكفّي لبرٍ باسقٍ خصبِ

ومن دموعي أطل سقياك من ضمأٍ

ومن ضلوعي أضيء مسراكَ واحتطب”

منذ البداية تتأسس القصيدة على مفارقة واضحة: العتاب لا يأتي من القطيعة، بل من المحبة. فالشاعر لا يطلب التوقف عن الحديث مع الوطن، وإنما يطلب تخفيف العتاب، وكأن كثرة العتاب نفسها دليل على كثرة ما في القلب من حب.

وهنا يتحول العتاب إلى فعل مقاومة للانفصال؛ فالصمت كان يمكن أن يكون أكثر قسوة من اللوم، لأن الصمت يعني انتهاء الرغبة في الإصلاح، بينما العتاب يفترض وجود علاقة ما زالت قابلة للإنقاذ. ومن ثم فإن الشاعر، وهو يعاتب العراق، لا يضع نفسه في مواجهته، وإنما يقف إلى جواره، ويحاول أن يستعيد معه لغة مشتركة.

ويزداد هذا المعنى عمقاً عندما يقدم الشاعر دموعه بوصفها ماءً يمكن أن يسقي به الوطن. فالدموع هنا لا تعبر عن الضعف، وإنما تتحول إلى طاقة بناء؛ فالذات لا تكتفي بالبكاء على جفاف الوطن، بل تجعل من دموعها وسيلة لاستعادة خصوبته. ثم ينتقل إلى صورة أكثر قوة حين يقول إنه يضيء مسراه من ضلوعه. وهنا يتحول الجسد نفسه إلى مصدر للنور، وكأن الشاعر لا يملك إلا ذاته، لكنه مستعد لأن يمنح الوطن من هذه الذات ما يكفي كي يواصل الطريق.

وهكذا تتشكل معادلة القصيدة الأولى :الجرح يتحول إلى عطاء، والدمع يتحول إلى ماء، والضلوع تتحول إلى نور. وهذه ليست صوراً منفصلة، بل سلسلة دلالية تؤكد أن حب الوطن عند الشاعر ليس حالة عاطفية ساكنة، وإنما فعل تضحية.

ثم يرتفع الخطاب إلى مستوى أكثر مباشرة:

“عد بي عراقاً شموس الله طلعته

أبناؤه كلُّ بُرٍّ شامخٍ وأبي

وعد إلى زمنٍ تحلو مرابعه

أرى به القلب لم يُفجع ولم يُصب”

هنا لا يطلب الشاعر من العراق أن يكون حاضراً كما هو، وإنما يطلب منه أن يعود إلى صورة كامنة في الذاكرة. ولذلك فإن فعل “عد” يحمل دلالتين متداخلتين: عودة الوطن إلى صورته المأمولة، وعودة الشاعر نفسه إلى زمن يرى فيه ذاته أكثر اكتمالاً.

إنه لا يستعيد التاريخ بوصفه سجلاً للأحداث، وإنما يستعيده بوصفه ذاكرة وجدانية. ولذلك تأتي صورة الزمن الذي تحلو مرابعه بوصفها نقيضاً للحاضر المثقل بالفجيعة. فالماضي هنا ليس مجرد زمن مضى، بل مساحة نفسية يشعر فيها القلب بأنه كان أقل انكساراً.

غير أن أكثر أبيات هذا المقطع كثافة هو:

“ألا تراني فؤاداً مثقلاً تعساً

أم أنني حين شاب الناس لم أشبِ”

إن الشاعر لا يتحدث عن العمر البيولوجي بقدر ما يتحدث عن العمر النفسي. لقد شاب الآخرون، بمعنى أنهم تكيفوا مع التحولات، بينما ظل هو محتفظاً بصورة قديمة للوطن. ولذلك فإن عدم شيخوخته هنا يمكن أن يُقرأ بطريقتين متناقضتين: هو من جهة وفاء للذاكرة، ومن جهة أخرى عجز عن التصالح مع واقع يراه أقل من الحلم.

وهذه المفارقة تمنح البيت قوته التأملية؛ فهل النضج أن نتكيف مع ما حدث، أم أن النضج الحقيقي أن نحتفظ بالقدرة على رفض ما لا يليق بصورة الوطن في وجداننا؟ القصيدة لا تقدم جواباً مباشراً، لكنها تجعل السؤال جزءاً من نزيف الهوية.

يصل الخطاب إلى أكثر مناطقه عمقاً حين يقول:

“أنا ابن جرحك ما في خافقي قسمٌ

لغير وجهك فادنُ الآن واقتربِ

أنا ابن جرحك مكلومٌ بحسرته

فكم تحمّلت من حزنٍ ومن نصبِ”

هنا يحدث التحول المركزي في مفهوم الانتماء. فالشاعر لا يقول “أنا ابنك” فقط، وإنما يختار عبارة أكثر قسوة وعمقاً: “أنا ابن جرحك” وهذه العبارة تختصر جوهر القصيدة كلها؛ لأن النسب في معناها التقليدي يقوم على الدم، أما النسب الذي يقترحه الشاعر فيقوم على التجربة. إنه ابن ما عاناه الوطن، وابن ما عاناه هو بسببه، ولذلك يصبح الألم رابطاً بين الذات والمكان.

إن الجرح هنا لا يمثل حادثة عابرة، وإنما يتحول إلى هوية. فكما أن الإنسان قد يعرف أصله من نسبه، يعرف الشاعر أصله من وجعه. وكلما ازداد الجرح عمقاً ازداد إحساسه بأن هذا الوطن جزء لا يمكن اقتلاعه من تكوينه.

ومن هنا يمكن استحضار فكرة “شوبنهاور” عن الألم بوصفه:

“طريقاً إلى معرفة أعمق بالوجود؛ فالإنسان لا يعرف الأشياء في لحظات الراحة كما يعرفها في لحظات الانكسار”

 والشاعر لم يعرف العراق من خارجه، وإنما عرفه من خلال ما تركه فيه من ألم.

ثم تأتي الصورة الأشد رهافة:

“علقتُ حبّك طفلاً عاشقاً لغدِ

على الندى قادماً من سالف الحقبِ”

فالطفولة هنا ليست مجرد مرحلة عمرية، وإنما حالة من الإيمان بالمستقبل. والشاعر، رغم كل الجراح، ما زال يحتفظ بذلك الطفل الذي أحب الوطن قبل أن تتكاثر عليه الخيبات. ولذلك فإن “الغد” يصبح مقابلاً لـ”سالف الحقب”؛ الماضي يمنحه الذاكرة، والمستقبل يمنحه الأمل.

ثم يقول:

“يا ألف ليلة في بغداد تسحرني

في العشق حتى شناشيل ابنة الجلبي”

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان