تأملات في نزيف الهوية في مرآة الضمير الجمعي، قراءة في قصيدة أقِل عتابك للدكتور غزوان الوردي
(الحلقة الثانية)
داود سلمان عجاج
ينتقل الشاعر هنا من الوطن الكبير إلى التفاصيل الصغيرة التي تصنع صورته في الذاكرة. فبغداد لا تظهر بوصفها مدينة مجردة، وإنما تظهر عبر “ألف ليلة”، وفي البصرة “شناشيل ابنة الجلبي”. وهذه التفاصيل تمنح الوطن ملمساً بصرياً ووجدانياً.
فالوطن الذي يحبّه الشاعر ليس خطاباً سياسياً، ولا حدوداً مرسومة على الخريطة، بل هو بيت ونافذة ومدينة وذاكرة وروائح وأصوات وأزمنة. ولهذا فإن استدعاء الشناشيل أكثر قدرة على بناء الهوية من استدعاء العبارات العامة؛ لأن التفاصيل هي التي تجعل المكان قابلاً للسكن في الذاكرة.
ومن ثم يقول:
“فتستثير دماً آماله وطنٌ
في دوحة المجد يعلو هامة السحبِ”
وهنا تعود ثنائية الدم والأمل. فالوطن يستثير في الشاعر دماً يحمل الآمال، وكأن الذاكرة لا تستدعي الماضي من أجل البكاء عليه، وإنما من أجل إعادة إنتاج حلم جديد. ولهذا ترتفع صورة الوطن من المكان إلى “دوحة المجد”، وتتحول الدوحة إلى شجرة رمزية تتطلع إلى السماء.
يواصل الشاعر:
“عرفتك المبتغى للمجد يطلبه
إباء كل جبينٍ صيغ من كُربِ”
فالعراق هنا لم يعد مجرد مكان يُحَب، وإنما أصبح قيمة أخلاقية. إن الوطن الذي يريده الشاعر هو وطن المجد والإباء والكرامة، ولذلك فإن الهوية في هذه المرحلة تنتقل من سؤال: أين ننتمي؟ إلى سؤال: ما الذي ينبغي أن نكون عليه؟
وهذا التحول مهم؛ لأن القصيدة لا تجعل الانتماء مجرد حق في الانتساب إلى الماضي، بل تجعله مسؤولية تجاه المستقبل. فإذا كان الوطن قد منح أبناءه ذاكرة، فعليهم أن يمنحوه استمراراً. وإذا كان الماضي قد صنع المجد، فالحاضر مطالب بألا يحوله إلى مجرد حكاية.
ثم تأتي العبارة:
“ومنذ أن كنتَ إيماناً ومكرمة
فما ادعاك ولم يحرم هواك نبي”
لتبلغ علاقة الشاعر بالوطن درجة من التقديس الوجداني. فالحب هنا لا يُقدَّم بوصفه خطيئة أو ضعفاً، وإنما بوصفه حقاً روحياً. ومن ثم فإن الوطن يصبح أقرب إلى قيمة تتجاوز المصلحة المباشرة، لأن الشاعر لا يحبه لما يمنحه فقط، بل لما يمثله في وجدانه.
بعد ذلك تتغير نبرة القصيدة بصورة واضحة:
“أعداؤك الأزل الماضون في وهنٍ
أحلامهم فوق ما يرجون من عجبِ
الله يا أمةً خانت نبوتها
واستبدلت دينها بالزور والكذبِ”
هنا يتجاوز الشاعر ذاته ليخاطب الجماعة. فالقصيدة التي بدأت بالعتاب الشخصي تتحول إلى مساءلة للضمير الجمعي. لم يعد السؤال متعلقاً بعلاقة الشاعر بالعراق وحده، وإنما صار متعلقاً بعلاقة الأمة بقيمها.
وهذه النقلة تمنح القصيدة بعداً نقدياً؛ إذ إن حب الوطن لا يعني التغاضي عن أخطائه أو أخطاء أبنائه. بل إن الحب الحقيقي، كما تكشف القصيدة، هو الذي يمتلك القدرة على الغضب حين تتعرض القيم للانتهاك.
ويبلغ هذا الغضب ذروته في قوله:
“وحاربت ربها وآثرت بدلاً
ربّاً من التمر أو ربّاً من الخشب
لأنها أمةٌ تحيا بلا غضبِ
وأنها لم تزل حمّالة الحطبِ”
إن الشاعر هنا يستخدم لغة حادة تكشف عن رفضه للانقياد والزيف. فاستبدال القيم الحقيقية بما هو زائف ليس عنده مجرد انحراف عابر، وإنما علامة على موت الضمير. ولذلك تأتي عبارة “تحيا بلا غضب” بوصفها واحدة من أهم مفاتيح المقطع؛ فالحياة التي تفقد قدرتها على الاعتراض تصبح مجرد استمرار بيولوجي، لا حياة قائمة على الوعي.
ومن هذه الزاوية يمكن الاستئناس بفكرة “هربرت ماركوز”:
“عن أن فقدان المجتمع لقدرته على الاحتجاج يجعله أكثر قابلية للاستسلام”
فالغضب في القصيدة ليس انفجاراً انفعالياً فقط، بل علامة على أن الضمير ما زال حياً.
لكن الشاعر، بعد أن يشتد غضبه، يعود فيقول:
“عذراً عراق الهوى إن ثار بي غضبي
عذراً فإن جراح الناي في القصبِ
تظل فينا يقيناً ملء أعيننا
مجداً تخلّد في الأسفار والكتب”
وهنا تحدث واحدة من أجمل التحولات في القصيدة. فالغضب الذي يبدو في ظاهره خروجاً على الوطن يعود ليؤكد شدة التعلق به. إنه يعتذر لأنه غضب، لا لأنه تراجع عن موقفه، وكأن الشاعر يقول إن غضبه نفسه كان نتيجة للحب.
أما صورة “جراح الناي في القصب” فتختصر فلسفة القصيدة كلها. فالناي لا يصدر صوته إلا بعد أن يُجرح القصب ويُفرَّغ من داخله. ومن ثم يصبح الجرح شرطاً للصوت، كما يصبح الألم شرطاً للتعبير.
وبذلك يتحول الجرح من علامة ضعف إلى مصدر قدرة. فالشاعر لا يريد أن يخفي جراحه، لأن إخفاءها يعني إسكات صوته. وإنما يريد أن يحولها إلى قصيدة، والقصيدة إلى ذاكرة، والذاكرة إلى فعل مقاومة.
وعند هذه النقطة تتضح العلاقة العميقة بين طرفي العنوان: العتاب والأمل. فالعتاب هو الوجه الأول للحب حين يصطدم بالواقع؛ أما الأمل فهو الوجه الآخر للحب حين يرفض أن يستسلم للواقع. لذلك لا يمكن فصل الاثنين في القصيدة. فالشاعر يعاتب لأنه يأمل، ويغضب لأنه يحب، ويتألم لأنه ما زال يرى إمكانية للشفاء.
ولهذا فإن الأمل في القصيدة ليس تفاؤلاً ساذجاً، ولا وعداً بأن كل شيء سيعود كما كان، وإنما هو قدرة على تخيل ما ينبغي أن يكون. وفي هذا المعنى تقترب رؤية “إرنست بلوخ” إلى الأمل” “بوصفه طاقة تتجه نحو المستقبل، لا مجرد انتظار سلبي له”
إن الشاعر لا يقول إن العراق بخير، ولا يحاول أن يخفي الخراب خلف صور جميلة، بل يفعل العكس تماماً: يكشف الجرح لكي يحافظ على إمكانية الشفاء. وهنا تكمن القيمة التأملية الأهم في القصيدة؛ فهي لا تهرب من الألم، وإنما تحاول أن تمنحه معنى.
في النهاية، تعود القصيدة بنا إلى السؤال الأول: ما الهوية؟ هل هي ما نملكه الآن؟ أم ما فقدناه؟ أم ما نصر على استعادته؟
تبدو أن الإجابة التي تقدمها القصيدة تتجاوز التعريفات التقليدية. فالهوية هنا ليست انعكاساً هادئاً لما نحن عليه، وإنما هي توتر مستمر بين الذاكرة والواقع، بين الماضي والمستقبل، بين ما تحقق وما نطمح إلى تحقيقه.
إن الشاعر لا يكتفي بأن يقول أنا عراقي، بل يقول ما هو أعمق: “أنا ابن جرحك”. وبذلك يصبح الجرح جزءاً من التعريف، لا عارضاً عليه. فالفقدان، حين يتحول إلى ذاكرة واعية، يمكن أن يصبح شكلاً من أشكال الحضور.
ولهذا تبدو صورة الناي في ختام التجربة الشعرية شديدة الدلالة؛ فالناي جريح، لكنه يغني. والقصب مجروح، لكنه لا يصمت. وهكذا يصبح الألم نفسه شرطاً لاستمرار الصوت.
تكشف قصيدة “أقِل عتابك” للدكتور غزوان الوردي عن تجربة شعرية تتجاوز حدود الحنين التقليدي إلى الوطن، لتدخل في منطقة أكثر عمقاً تتصل بالهوية والذاكرة والضمير الجمعي. فالوطن في القصيدة ليس مكاناً جغرافياً فحسب، ولا ماضياً يستعاد لمجرد استحضار الذكريات، وإنما هو كيان وجداني تتشكل من خلاله الذات وتعيد تعريف نفسها كلما تعرضت ذاكرتها للتهديد.
ومن هنا فإن العتاب الذي يبدأ به الشاعر ليس موقفاً مناقضاً للحب، بل هو أحد أشكاله الأكثر صدقاً. فحين يقول “أقِل عتابك”، يبدو كأنه يطلب تخفيف اللوم، لكنه في العمق يعلن استمرار العلاقة. وحين يقول “عد بي عراقاً”، فهو لا يبحث عن عراق موجود في الجغرافيا وحدها، وإنما عن عراق يسكن الذاكرة، عراق لم يُفجع فيه القلب ولم ينطفئ فيه الحلم. وحين يبلغ ذروة اعترافه بقوله “أنا ابن جرحك”، فإنه يمنح الهوية تعريفاً جديداً: أنا ابن التجربة، ابن الألم، ابن الذاكرة التي لم تستطع الخيبات أن تقتلعها.
ثم تتسع الدائرة، فيتحول الجرح الفردي إلى جرح جماعي، ويتحول العتاب إلى غضب، والغضب إلى مساءلة للضمير الجمعي. ومع ذلك لا يسمح الشاعر للغضب بأن يتحول إلى قطيعة؛ إذ يعود معتذراً: “عذراً عراق الهوى”. وهنا تبلغ القصيدة نضجها الدلالي؛ لأن الوطن الذي نغضب منه هو نفسه الوطن الذي لا نستطيع التخلي عنه.
إن أجمل ما في التجربة أن الشاعر لا يجعل الأمل نقيضاً للجرح، بل يجعله مولوداً منه. فالجرح الذي يصمت قد يتحول إلى هزيمة، أما الجرح الذي يتحول إلى صوت فيصبح ذاكرة، والذاكرة حين تتحول إلى وعي تصبح فعلاً من أفعال المقاومة. ومن هنا تأتي صورة الناي الجريح لتكون مفتاحاً نهائياً لفهم القصيدة: لا صوت بلا جرح، ولا ذاكرة بلا ألم، ولا أمل حقيقي من دون الاعتراف بما أصابنا.
وبذلك لا تكتب القصيدة مرثية للعراق بقدر ما تكتب دفاعاً عن إمكانية بقائه في الوجدان. إنها لا تقول إن الوطن قد نجا من جراحه، وإنما تقول إن جراحه لم تستطع أن تقتله في الذاكرة. وهذا هو المعنى الأعمق للهوية في النص: أن يبقى الإنسان وفياً لما يؤمن أنه ينبغي أن يكون، حتى حين يرى الواقع يبتعد عنه.
وعليه، فإن بين العتاب والأمل ليست مجرد تسمية لمرحلتين شعوريتين في القصيدة، بل هي الحركة الداخلية التي تحكم النص كله؛ فالعتاب هو صوت الذاكرة حين تتألم، والأمل هو صوتها حين ترفض أن تموت. وبين الصوتين تتشكل هوية الشاعر، ويتشكل الوطن في مرآة ضميره الجمعي.
ولعل الخلاصة الأشد دلالة أن الشاعر لا يريد هوية ساكنة ومكتملة، بل هوية حية، تنزف وتغضب وتعشق وتحلم؛ لأن الهوية التي لا تتألم قد تتحول إلى شعار، أما الهوية التي تحمل جرحها في داخلها وتواصل الحلم، فهي هوية قادرة على مقاومة النسيان.
وهكذا يتركنا غزوان الوردي أمام يقين شعري واضح: قد يضيع المكان، وقد تتبدل الوجوه، وقد تتكاثر الخيبات، لكن الوطن يظل حياً ما دام هناك قلب يعتب عليه، وذاكرة ترفض أن تنساه، وأمل يرى في جرحه إمكانية لصوت جديد. وفي تلك المسافة الممتدة بين العتاب والأمل، لا يكون الوطن مجرد أرض نسكنها، بل يصبح المعنى الذي يسكننا.








