دراسة نقدية
يوسف عبود جويعد
رواية «نوائح سومر» للروائي عبد الستار البيضاني، من الروايات السيرية الأدبية، وفي الوقت ذاته، إنها رواية سيرية تاريخية، وهما خطان متوازيان يسيران مع مسار الحركة السردية، وبلغة ذات تأثير مختلف، كونها تنبع من أعماق روح المؤلف، فتسير كالسحر في وجدان القارئ، لتسحبه إلى عالمها الغارق في الشيئات والمرئيات والمرويات، وهي تتوهج بكل عمق نحو أحداث بدأت من خمسينيات القرن الماضي، حيث نتابع بطل الرواية صلاح في منطقة الشاكرية، ما زال طفلاً يفرح بالدرهم الذي أعطاه والده عيدية.
وهكذا تكون سيرة حياة صلاح هي المسار الأول الذي سوف ننطلق منه نحو أحداث تنسحب من الماضي، لتصل بنا إلى الوقت الحاضر، لكنها تهيئ القارئ إلى رحلة حكائية مع أناس سكنوا مناطق في بغداد، وتنقلوا بين مناطقها: الشاكرية، الميزرة، الثورة، وهي في ذات الوقت، وأقصد هنا أحداث الرواية، نتابع من خلالها السيرة التاريخية لمدينة بغداد في مراحل مختلفة من تطورها، وكذلك نتابع الصفحات السياسية التي مرت بها هذه المدينة، والتي جعلها المؤلف جزءاً لا يتجزأ من العملية السردية، ابتداءً من الزعيم عبد الكريم قاسم، ثم عبد السلام عارف، وعبد الرحمن عارف، وأحمد حسن البكر، وصدام حسين، وصراع السلطة المتناوب للحصول على كرسي الحكم، وتلك الأحداث السياسية تسير وفق السياق الفني لحركة السرد والحركة التاريخية للأحداث.
وعندما نتابع مع بطل الرواية صلاح حركة الأحداث، التي بدت لنا متصلة ببعضها، متماسكة ومشدودة مع بعضها، نتيجة اللغة السردية الحكائية التي تفوق بسحرها السرد الاعتيادي الذي نتابعه في بعض الأعمال السردية الروائية، لأن القارئ يجدها لغة جديدة لم يألفها من قبل، وهكذا ونحن نتابع تلك السيرة لبطل الرواية الذي يقوم بمهمة إدارة دفة، وهذه السيرة تشبه إلى حدٍّ بعيد النهر الجاري، الذي يتفرع من الجهات أثناء مسيره، حيث سنكون مع عباس، صديق صلاح، وأمه وحيدة بائعة اللبن، وكذلك سعدون، وعلي الكردي، وجوني الخبل، وأم سعدون، وأم صلاح، وغيرهم الكثير، الذين يأتي ذكرهم مع حكاية كل واحد من شخوص الرواية، والذين يعتبرون فروعاً مضافة لتلك الفروع التي انبثقت من النهر الأصل أو البؤرة الرئيسية والمركزية للرواية:
«يقع بيت جليل في نهاية الزقاق الذي يشكّل بيتنا ركنه الأيمن المطل على الشارع العام، هذا البيت وساكنوه جليل وأخواه يمثّل لي لغزاً كبيراً، وربما للآخرين ممن يكبرونني بالعمر أيضاً، وجدت في طلب وحيدة مني مرافقة عباس إلى بيت جليل لجلب الورق فرصة كبيرة لحلّ هذا اللغز من دون أن أسأل عن علاقة جليل بالورق ولبن وحيدة!» (ص 25).
ولم يأتِ هذا الكم الكبير من الأحداث وحكايات الأصدقاء والأقرباء اعتباطاً أو لضرورات سياقية، بل إنها أحداث محفورة بذاكرة المؤلف الذي يعتبر صلاح الذات الثانية له داخل متن نص، وهي تتوهج وتتقد في ذاكرته، والذي وجد أن يحيلها إلى عمل روائي، يوثق فيه مراحل مهمة من حياة الناس في بغداد، وفي فترات سياسية متقلبة ومتغيرة.
وتدور الأحداث لنجد أن عباس يتخرج من الإعدادية ليلتحق بالكلية العسكرية، ونجد أن سعدون يدخل كلية الطب، ويتخرج صلاح ليلتحق بالخدمة العسكرية في حرب السنوات الثماني، الذي يقف المؤلف فيه طويلاً لما تحمله هذه الحقبة المؤلمة من أحداث.
ونغرق في تفاصيل كبيرة وواسعة، بعد أن اتسعت دائرة السرد، واحتوت كل أطراف الرواية.
ويبدو لنا أن تلك الأحداث التي تدور في ثنايا الرواية لم تكن سيرة بطل الرواية، أو سيرة تاريخية وسياسية، بل إنها أعمق وأكبر، وكأنها وثيقة صادقة ومهمة من حياة البلد وما شهده من تقلبات سياسية، وحروب، وصراع دائم نحو كرسي السلطة، وما شهده أبناء البلد من ظلم وحيف وقهر وتعسف وقمع، وسلب للإرادة من أجل الانصياع لأوامر السلطة نحو حروب وقتال لم يتوقف:
«بقيت أمي دقائق معدودة تقف مرتجفة أمامي عند أول دخولي بيتنا.. تترجرج في عينيها دمعة محبوسة، وتلوب على شفتيها ضحكة مكتومة.. الله ما أجمله من منظر لوجه أمي، لم أشاهده من قبل! تحركت جميع عضلات وجهها بحركة متموّجة لتظهر مختلف التعابير عن مشاعرها، تركت حقيبتي تسقط على الأرض وتقدمت إليها، احتضنتها، استسلمت بين ذراعيّ، قبل أن ترفع وجهها إلى وجهي وتدسه تحت حنكي لتلثم نحري، تحسست ندى دمع عينيها الذي حبسته طويلاً، فيما نهض أبي من سجادته المفروشة أقصى غرفة النوم بعد أن أنهى الركعة الأخيرة من صلاة المغرب». (ص 215).
وفي هذا النص المقتطع من أحداث الرواية، نشعر أن الحياة في هذا البلد هي ابن يذهب إلى الحرب، إلى الموت، وأمٌّ ثكلى بأحزانها خائفة، يملأ الدموع مآقيها، وأبٌ يفترش سجادة الصلاة ليدعو لابنه بالنجاة.
وهكذا يفقد صلاح أصدقاءه الأعزاء بسبب هذه الحرب أو مطاردة السلطة لهم، ويشهد نهايتهم، ويشهد نواح الأمهات، وبكاء وصراخ وعويل ولطم على الوجوه:
«ثمة عمق لنهر النساء اللاطمات يصعب على النظر إدراكه، يتلاشى نهاية موكب مع حرائق في أفق بعيد لحرائق أكواخ القصب والبردي، وثمة مشاحيف سود، وذهبية تنزل من السماء خاطفة، محمّلة بنساء سومريات نائحات، ولاطمات يشددن من عضد نساء موكب وحيدة، ومناهل الطويل.. أحاا… حااااا.. لم يعد صوتاً بحروف.. صار رعداً يملأ السماء ليستَمطر دموعها على نوائح سومر.. بدأ شيء يتطاير.. صحت بأعلى صوتي:
يا نائحات سومر.. يا ربّات الحزن.. توقّفن، لا توقظن نيام سومر الذين هرستهم الحروب». (ص 248).
رواية «نوائح سومر» لعبد الستار البيضاني، سيرة شخوص وسيرة تاريخية، وحياة بلد مبتلى بحروب لا تنتهي. من إصدارات الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق لعام 2025.








