الإفتتاحية

حين يغيب صاحب الجريدة !

اعتدنا في «الحقيقة» أن يقدم لنا رئيس التحرير خلاصات وافية وشافية، عبر مقالات وافتتاحيات صحفية احترافية في هذا المكان من الصحيفة، إلا أننا نقدم اليوم افتتاحية كتبها الصديق مالك المالكي (فريق ركن متقاعد)، استذكر فيها الزميل فالح حسون الدراجي، الذي تغيب عنا لوعكة صحية نتمنى أن يتجاوزها سريعاً بإذن الله.

وقد ارتأت إدارة التحرير أن تنشرها هنا، اعتزازاً بالكاتب المالكي، وبزميلنا العزيز الدراجي، الذي سنرى افتتاحياته الرصينة قريباً.

إدارة التحرير

كتب: مالك المالكي

منذ أيام، وافتتاحية جريدة الحقيقة تفتقد شيئاً من روحها.

المكان هو المكان، والجريدة هي الجريدة، والعناوين تتوالى، والأخبار تمضي، والأقلام تكتب… لكن هناك مساحة اعتادت أن تحمل صوتاً بعينه، وحين غاب ذلك الصوت، شعرنا أن في المشهد شيئاً ناقصاً.

إنه عمود الأستاذ والشاعر والإعلامي فالح حسون الدراجي.

ابو حسون  الذي اعتاد أن يطل على قرائه من نافذة الحقيقة، لم يكن يكتب لمجرد أن يملأ مساحة في الصفحة، ولم يكن العمود بالنسبة إليه وظيفة صحفية تؤدى ثم تنتهي. كان يكتب لأن لديه ما يقوله لنا، ولأنه يعرف أن الكلمة حين تخرج من صاحبها صادقة، لا تحتاج إلى كثير من الزينة كي تصل.

هذه المرة، غاب القلم اضطراراً.

فقد أجرى الأستاذ فالح عملية جراحية، وهو الآن في بيته يتعافى، والحمد لله أن الأمور تمضي نحو العافية.

وقد يكون غياب بضعة أيام عن الكتابة أمراً عابراً في حساب الزمن، لكنه بالنسبة لمن اعتاد أن يرى ذلك القلم في مكانه، يبدو الغياب أطول مما هو عليه.

ولأنني واحد ممن دخلوا إلى عالم الكتابة من الباب الذي فتحه لي (ابو حسون) فإن غيابه هذه المرة أعادني إلى البداية.

كنت أكتب لنفسي، وأحتفظ بما أكتب، وأحياناً أعرض بعض ما أكتبه على المقربين.

لم أكن أملك الجرأة الكافية لأقول عن نفسي: (كاتب صحفي).

لكن زوجتي دفعتني ذات يوم إلى أن أعرض ما أكتب على الأستاذ فالح.

فقلت له ما عندي، وانتظرت رأيه.. فأجابني، بروحه العراقية الساخرة التي تختصر الكثير في جملة واحدة:

«شنو تاخذ راي هاي

 جريدتك» ؟!

كانت جملة قصيرة، لكنها بالنسبة لي لم تكن كذلك.

ربما لم يكن استاذ فالح يومها يعرف أنه بتلك الجملة فتح أمامي باباً لم أكن أعرف كيف أطرقه.

ومنذ ذلك اليوم بدأت أكتب مقالاً بعد مقال، حتى أصبح لي في الحقيقة مكان، وصار اسمي يظهر بين أسماء كتابها، وأصبحت أشعر أن للكلمة التي أكتبها طريقاً إلى قارئ لا أعرفه.

لم يمنحني لقباً، ولم يقل لي إنني أصبحت كاتباً، لكنه منحني ما هو أهم من ذلك كله: الفرصة.

واليوم، بينما ابو حسون يتعافى في بيته، أقول له ما قد لا تقوله المقالات عادة:

سلامتك يا أبا حسون.

استعجل العودة.

فالعمود ينتظرك، والجريدة تنتظرك، والقراء الذين اعتادوا صوتك، يعرفون أن بعض الأصوات لا يعوض غيابها أحد.

أنا شخصياً سأفتقد ذلك العمود، لا لأنه افتتاحية الجريدة فقط، بل لأنه المكان الذي كنت أرى فيه رجلاً يعرف كيف يجعل من الصحافة موقفاً، ومن الشعر إحساساً، ومن الكلمة مسؤولية.

سيعود أبو حسون إن شاء الله بقلمه، وبذلك الصوت الذي اعتاده قراؤه.

وربما لن يعرف أنني كنت أكتب هذه السطور في الوقت الذي كان قلمه يستعد للعودة.

أما أنا، فسأغادر صفحات الحقيقة في هذا المقال.

ليس لأن في القلب عتباً، ولا لأن للكلمة نهاية، وإنما لأن لكل مرحلة وقتاً، ولكل طريق محطة يتوقف عندها المسافر قليلاً.

هذا المقال هو مقالي الأخير في الحقيقة في هذه المرحلة، وسأنقطع عن الكتابة حالياً لأسباب خاصة، تاركاً خلفي تجربة أعتز بها، وأياماً جميلة، وامتناناً لا تحتاج إلى كثير من الكلمات للتعبير عنه.

سأضع قلمي جانباً لبعض الوقت… كما وضعت سلاحي قبل عام من الآن.

فلكل مرحلةٍ سلاحها، ولكل رحلةٍ لحظة صمت.

وضعت السلاح حين انتهت مهمتي، وأضع القلم الآن حين أحتاج إلى بعض الهدوء.

لكنني تعلمت أن الإنسان لا يترك ما أحبّه… إنما يضعه جانباً، وينتظر.

أما أنت يا أبا حسون، فلا تُطل الغياب رجاءً.

فالعمود ينتظرك، والحقيقة تنتظرك، وقراؤك ينتظرونك.

عُدْ معافى…

شكراً لأنك أعطيت قلمي فرصة أن يُسمَع.

سلامتك أبا حسون…

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان