عادل عبد الله
من وجهة نظر خاصة أميل الى الاعتقاد، أن هيراقليطس الفيلسوف – الشاعر الإغريقي هو واحد من أعظم فلاسفة العالم، إن لم يكن أعظمهم طرا . ولي بطبيعة الحال اسبابي المقنعة ومبرراتي الخاصة للذهاب الى مثل هذا الاعتقاد الذي لا يخلو من التطرف كما قد يعتقد البعض.
أقول ذلك لنوعين من الاسباب، عام وخاص، فاما الاسباب العامة فمفادها، ان جميع ما قاله الفلاسفة -على اختلافهم – قدر تعلق الامر بالحقائق الكبرى للوجود والمعرفة، قد تم تجاوزه واصبح الان مجرد صفحات محفوظة في تاريخ الفلسفة، اما ما قاله هيراقليس عن تلك الحقائق نفسها فيبدو انه راسخ وعميق ولا يمكن ابدا تجاوزه لا من قبل الانظمة المعرفية للفلسفة حسب، بل من قبل النظام المعرفي للعلم ايضا.
اما الأسباب الخاصة فهي على النحو التالي:
1- إنه هو أول فيلسوف قال بوحدة الله والعالم – أي وحدة الفكر والوجود- في عبارته الشهيرة ( ان الكل واحد) أي ان الله بوصفه فكرا خالصا وان الطبيعة بوصفها مقادة لهذا الفكر من جهة ثانية، وان الانسان بوصفه جوهرا مفكرا هم واحد في اصلهم وطبيعتهم الحقيقية. وهذه الحقيقة قد سخر لها هيجل كل مذهبه من اجل اثباتها، وكذا يتوصل العلم اليوم الى ان حقيقة العالم التحتانية هي مجرد افكار لنا عن مادته الاولية، وان هذه الافكار هي ليست افكارنا حسب بل هي افكار تخص الطبيعة التحتانية المنظورة لذلك العالم فضلا عن سلوك ذرات ذلك العالم بطريقة بالغة التنظيم لا يمكن وصفها الى عبر القول ان الذرات كائنات حية، خالدة وعاقلة وقادرة على التخاطب بينها، كما يقول بذلك جمع من علماء الفيزياء الذرية الافذاذ.
2- إنه أول فيلسوف قال بنسبية المعرفة البشرية ايا كان موضوعها، بل قال باستحالتها ووهمها ايضا، انطلاقا من كون العالم باجمعه في حالة صيرورة وحركة وتغير دائم لا ثبات فيه البتة، ومعنى هذا ان ما اراه الان ثابتا امامي واعرفه بوصفه الشيء هذا او ذاك ، هي معرفة نسبية مؤقتة بحقيقة الشيء، انها (معرفتي) عن حقيقة الشيء وليست حقيقة الشيء نفسه لأن هذا الشيء سيكون بعد حين يوم او سنة او او عشرة قرون هو غير تماما انطلاقا من كونه في صيرورة مستمرة دائمة تخضعه للتغير لا محال.
3- انه اول من تنبه الى ان المجتمعات البشرية لا يمكن تغييرها او مخاطبتها بغية رفع مستوياتها المعرفية، بنوع الخطابات الفلسفية ولذا احجم عن ذلك كله واعتزل الناس متخذا من الجبال مكانا اثيرا لكتابة شذراته بطريقة غامضة إذ تكفيه هو لفهم حقيقة الوجود، تكفي ايضا تلك النخبة الرائعة من الفلاسفة التي تمكنت من حل شفراتها اولا ومن توظيفها من بعد واستخدامها دعامات صلبة لتشييد صروح مذاهبهم وافكارهم ،اخص بالتحديد، هيجل وماركس ونيتشه وهيدجر. مع التاكيد ان غموضه لم يكن مفتعلا بل كان مكرها على التعبير عن ما رآه بهذه الطريقة لاعتقاده كما قال: أن الطبيعة تحب ان تتخفى .
4- اذا اخذنا بالاعتبار ان جميع ما كتبه هيراقليطس في حياته هو 126 عبارة فقط ، وان عباراته محدودة العدد تلك تناولت جميع مباحث الفلسفة الانطولوجية والابستمولوجية والاخلاقية والجمالية واللاهوتيه ايضا، ثم بقيت لتلك العبارات مكانتها السامية في اذهان الفلاسفة والعلماء بدء من افلاطون تلميذ تلميذه مرورا بهيجل ونيتشة وانتهاء بجيل من العلماء يقر له الان بحقيقة وحدة العالم وصيرورته، امكن القول ان هيراقيطس هو المعجز الفلسفي بلا منازع.









