ثقافية

في ذكرى السياب

مصالحات الشاعر

عديدة هي الجوانب المغرية بالبحث في شعر السياب، ولكنني أوثر أن أتناول جانباً يتعلق بحياة السياب، طالما تطرق له البعض، لكنه بقي، في رأيي، كما هي الحال في الجوانب الأخرى مليئاً بالثغرات الداعية إلى التساؤل، ليس من أجل الوصول إلى ما يسدّ هذه الثغرات، فهذا ليس شاغلنا، وإنما من أجل المعرفة الأقرب للواقع والشاعر معاً، من خلال الوقائع ذاتها، بما فيها من فراغات لن يملأها أحدٌ ربّما. أي أن ما يهمنا باختصار ليس الجانب الوقائعي  بحدّ ذاته، على أهميته، بل الجانب المعرفي .

عبد الكريم كاصد / الجزء الأول

 
وإذا كان البعض انطلق أو ينطلق، في دراسته للسياب، من اعتراضات الشاعر، فأنني انطلق في كلمتي هذه من مصالحات الشاعر في علاقته بالواقع. هذه المصالحات التي لم تجلب للشاعر غير الخراب، فهي كاعتراضاته لم تنقذه أبداً. وحين لا يعارض الشاعر العالم ولا يتصالح معه، أو بعبارة أخرى حين لا يقيم على تعارضاته أو مصالحاته، آنذاك تتجلى المأساة بعريها الكامل بلا أقنعة ولا مسرح في فضاء مطلق، وهذا ما كان عليه السياب. في بداية الستينات كنت أصادفه أحياناً في الظهيرة في الباص، أو في المساء في الباص أيضاً، في طريقه إلى مكتبة ( فيصل حمود )، غير بعيدٍ عن مأوى مومسه العمياء، الذي تفصلهُ عن المكتبة ساحةٌ وبضعة بيوت، يجرّ جسده المنهك النحيل، ونظرته الذاهلة البعيدة عن الأشياء والناس. كان آنذاك يسكن في بقعة كانت مقبرة للأطفال تفصلها عنّا جادّة للسيارات شبيهة بالسدّ.وإذ استرجع هذه الواقعة البسيطة العادية جدّاً، استرجع معها علاقتي آنذاك بالسياب: كيف كنت أراه، كيف كنت أقيّمه، وأحسّ بشئ من المرارة أو الانقباض حقّاً، وأتساءل: أليس غريبا أن يواجه شاعرٌ عالمه بمثل ذلك الهدوء؟ أهي مصالحاته البسيطة وراء ذلك الهدوء؟ أم هو المرض والعاصفة المنبئة بما سيأتي ؟ .. ربما كان السياب يغبط نفسه لأنه عثر أخيراً على بيت يؤويه بين آلاف البيوت التي كان يسكنها الشرطة والموظفون الصغار التي تحدّثت عنها في مقال آخر ” بيوت تشبه القطارات خلف المرتفع حيث قبور الأطفال .. بيوت ساكنة إلى الأبد .. موشكة على الرحيل في كلّ لحظة، تسمّرها الشمس كالقنافذ في الصيف ولا يزحزحها المطر في الشتاء، كأنها علبٌ مشدودة إلى الفراغ بخيوط من ماء مما يضفي عليها كآبة لا حدود لها.. أطلق على هذه البيوت اسم ( الأصمعي ) ولكنّ الناس ظلّوا يسمّونها باسم الشركة التي شيّدتها ( ومبي ) فلم يغادرها هذا الاسم حتّى يوم رحيلي. في تلك القطارات كان ثمة بيت .. عربة صغيرة – إذا جاز القول – سكنه أعظم شاعر عربيّ معاصر هو الشاعر بدرشاكر السياب” كان السياب آنذاك موظفاً في الموانئ ، وعضو تحرير مجلة عادية اسمها ( الموانئ ) أيضاً . وفي أحد أعدادها طالعتني قصيدة للسياب، شاعر أنشودة المطر، وبويب، وغريب على الخليج، التي كنا نردّدها، منذ أن فتحنا عيوننا على الشعر ولا نزال، أقول طالعتني قصيدة له يمدح فيها مزهر الشاوي مدير الموانئ آنذاك. أتذكر أن القصيدة كانت حائية. والشاوي هذا ( شاعر ) أيضاً وله في كلّ عدد من مجلته الموانئ قصيدة. وإن كنتم لا تعرفون شعره فأنني سأورد ما سيعرّفكم به ، نصف بيت لا يزال عالقاً في ذهني يصف فيه حرّ البصرة :والحرّ يسلقُ بيضةً في الشارعِ. ولكنّ مصالحات السياب لم تدم طويلاً في أدنى مطامحه، فالبيت القابع بين آلاف البيوت المكشوفة للشمس، والذي كان مبعث غبطة السياب سرعان ما ختموه بالشمع في نفس ذلك اليوم الممطر الذي غادر فيه السياب، لحسن حظه ، العالم إلى مثواه الأخير، دون أن يرى بعينيه عائلته المشرّدة .. (عائلة الضياع ). لقد صغر عالم الشاعر واستحال صخب بغداد إلى هدوء الموظف البسيط الذي لن ينجو أبداً من متاعب الحياة اليومية التي ارتضاها أصلاً. في ذلك الوقت – أقصد بداية الستينات بالتحديد – كان السياب يبحث عن المصالحة الأوسع التي وجدها، ربّما، في مجلة شعر، غير أن هذه المصالحة كلّفته كثيراً. لقد زادت من عداواته المعلنة، وقادته هو نفسه إلى الشكوى منها، ولعلّها مفارقة حقّا أن مجلة شعر التي أرادها أفقا له كانت هي نقيضه الشعريّ، كرّست، رغم احتضانها له خسوفه الشعريّ الذي لم يدم طويلاً، إذ انفجر شعره فيما بعد دافقاً مؤكّداً حضور شاعر لم تكن مأساته إلاّ جزءاً من كيان شعري رقّ حتى كاد أن يكون نسيج وحده، خارج كلّ ما يحدّه من توغل في الروح بعيدا عن لعبة الأشكال، لأنه هو اللعبة ذاتها، وقد اصبحت واقعاً وحقيقةً في عالم الشعر، لذا أستطيع أن أقول أن الشاعر الشعبي الوحيد في شعرنا العربيّ هو (بدر شاكر السياب) لا بمفهوم الشعبية الساذج للشعر، بل في امتداداته في روح اللغة والإنسان، بعيداً عن أيّ مظهر خارج الشعر.وحين أستعيد سؤالي السابق: كيف كنا نرى السياب في بداية الستينات؟! أجدني أميل إلى القول: إننا كنا نجد أنفسنا في تجارب أخرى ليست مجلة شعر، ربما، إلا واحدة منها، ولكن بترجماتها وتوجهاتها واتساع صفحاتها لشعراء آخرين، وليس بشعر القائمين عليها، فلا شوقي أبو شقرا، ولا يوسف الخال، ولا أنسي الحاج، ولا نذير العظمة كانوا مثالنا. كان بدر في بداية الستينات نجماً كاد يأفل في سماء من الشعر والادعاء، فقصائد مثل (ابن الشهيد) و(مدينة السراب ) و (نبوءة ورؤيا) و(الغيمة الغريبة) و (حنين إلى روما) و (لأني غريب) وغيرها هي من شعره العاديّ .

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان