ثقافية

في ذكرى السياب:

مصالحات الشاعر

 

لقد رسخت مصالحته لمجلة شعر عداوات أوسع حتى في مجال إبداعي هو الشعر، فقد شحذت مجلات، كالآداب، أسلحة نقدها، آنذاك، غبر نقاد مشهورين – انطفأوا الآن – كإيليا حاوي للتقليل من أهمية شعر السياب ونعته بالتخلف والبداوة، حتى في أشدّ نماذجه تألقاً. ولم تألُ الآداب جهداً في تقديم بديلها ليكون تأثير ذلك علينا، نحن الشباب، في ذلك الوقت أكثر نجوعاً، فقدّمت (خليل حاوي) باعتباره ممثّلا للشعر الميتافيزيقي، وإذا كان خليل حاوي شاعراً حقّاً، فإن من يُسمّون بالشعراء الميتافيزيقيين، لم يكونوا شيئاً مذكوراً، بل إننا حين نقرأ خليل حاوي نجد إنّ إلصاق مثل هذه الصفة بشعره ليس إلاّ محض ادعاء نقد زائف، لاتزال امتداداته ماثلة في أشكال أخرى حتى وقتنا هذا. أتذكر الآن شيئا طالعته في الآداب ولا يزال يحزّ في نفسي هو تلك الكلمة ذات اللهجة الاستعلائية، لهجة الاستاذ التي كتبها الشاعر خليل الحاوي، في رثاء السياب والتي نُشرت، على ما أتذكر، في أول صفحة من صفحات الآداب، مصدّقا مزاعم نقد يؤرث العداوات، وكأننا لا نزال في عهد جرير والفرزدق وطبقات الشعراء، وكأن الموت لم يشفع للسياب أخطاءه، مثلما لم يشفع له مرضه الوبيل.. ولكن هيهات فقد أصبح السياب كياناً من الشعر لا تحدّه عداوة ولا محبّة أيضاً.. وحين أستعيد كلّ تلك القسوة أتساءل: في أيّ عالم نحن؟ أيمكن أن يحدث هذا بيننا على مرأى من الموت.. وقد يقود سؤالي هذا إلى سؤال أمرّ: أين كان الكثير من الأدباء الذين ادعوا صحبة السياب من إنقاذ السياب، من أزمته بعد ثورة 14 تموز، أو في محنته بعد مرضه ولا سيّما إنّه كان مدركاً لأزمته هذه محاولاً التخلص منها، كما يذكر ذلك (إحسان عباس) في كتابه عن السياب عبر واقعة أو واقعتين مريرتين حدثتا للشاعر.

وإذا كنّا لا نقيّم السياب فنياً – في بداية الستينات – كما قيمناه في تجارب سابقة أو لاحقة، ونقسو عليه أو نغفر له اجتماعياً ونختلف معه سياسياً، فلأننا لم نكن في ذلك وحدنا، وقد يكون السياب واحداً منّا في تقييمه لنفسه، هو بالذات، لأنني لا أعتقد أن السياب كان يمارس هذه المصالحات بقناعة أبداً، بل بمأساوية البطل الخاسر الذي تساوى لديه كلّ شئ : مديح ( أدونيس ) ومديح (مزهر الشاوي). وعلى الرغم من الطابع الشخصيّ الخاص في الموقفين الجمالي والاجتماعي، إلاّ أنهما أضرّا بالسياب ولم يكونا بعيدين عن موقفه السياسيّ، فقد أخذ يبخس نفسه فنياً، ويكيل المديح المجاني لشعراء مجلة شعر، وصغار الشعراء ويداهنهم، بل ويعتذر لهم عن تجديد قاصر عنه .. يقول في واحدة من رسائله إلى يوسف الخال: تجد مع هذه الرسالة قصيدة قصيرة كتبتها مؤخراً على إثر زيارة قمت بها لجيكور.. أخبرني رأيك فيها بصراحة ، لأن ذلك مهم في مستقبلي الشعري. أريد أن أعرف الطريق – شبه الجديد – الذي أحاول السير عليه. أيوصلني إلى غاية أم لا. ثم يرفق رسالته هذه التي أوردنا منها المقطع السابق بملاحظة فيها: “هل القصيدة صالحة للنشر في (شعر) انشروها في العدد الجديد إذا كانت كذلك، وإلاّ فأرجو إخباري لأنشرها في (العربي) أو سواها “

ولم يكن شأن المصالحات السياسية كشأن تلك المصالحات، فقد كانت ذات آثار فجائعية حقّاً، أنهكت الشاعر وجعلت رغبته في التصالح مع العالم ضرباً من الوهم والاستعداء، فكأن العالم بأحزابه السياسية المتصارعة لم يكن بحاجة إلى ولاء شاعر كبير كالسياب، بل إلى عداوته، لكي لا تتساوى الضحية بجلادها، والماضي الشخصيّ بحاضر الجماعة، والشعر بالجريمة، وحين لا يُجدي حتى الولاء في هذا العالم، فماذا يفعل الشاعر غير أن يحضن مرضه وعزلته وعجزه، بل وموته أيضاً. وهذه آخر المصالحات، عندئذٍ يتقدّم السؤال الصعب: من الأولى بالإدانة الشاعر أم الواقع الذي أفضى بالشاعر إلى مخاطبة النجوم في فضاء موحش شاسع؟

ألا يشكل مصير السياب سماءً أبرقت، فيما بعد، بمأساتنا جميعاً. ولعلّ براءة الشاعر الموجعة، التي قد تكون موضع إدانة لدى البعض الآخر، هي هناك .. في التبرئة من ولاء سابق لاعتناق ولاء جديد، في مصالحة جديدة لا تُجدي شيئاً، في التزلف من أجل بُلْغة عيشٍ (ارجعوا إلى رسائل السياب لتعرفوا كم جاع هذا الرجل الذي يتزاحم على مائدته الآن ألوف المتخمين ممن يمارسون مهنة التسول في الأدب).

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان