ثقافية

فــــي ذكـــــرى السيـــــاب:

عبد الكريم كاصد / الجزء الاخير

مصالحات الشاعر

 

في عددٍ تالٍ ، إذا لم تخني الذاكرة، للعدد الذي نشرت فيه قصيدته السيئة الصيت في هجاء (عبدالكريم قاسم) الذي أمدّه بمبلغ للعلاج في بيروت (ادعى السياب أن بعضاً من شعراء مجلة شعر سكروا وقصفوا بالمبلغ المذكور كما يذكر عيسى بلاطة في كتابه عن السياب)، طالعتنا الآداب بمقالة ذات طابع فضائحي قلّ نظيره بين فضائح الأدب للسيد المدعو (على الحلّي)، وهو مسؤول بعثي، يذكر فيها تفاصيل ( خساسة السياب ونذالاته وجبنه ) عبر وقائع لا تليق إلا برجال المباحث، وكأن هجاء السياب لعبدالكريم قاسم، وولاءه للبعثيين والسلطة الجديدة، لم يشفعا له.. هذا إذا ضربنا صفحاً عن التذكير بمرض السياب العضال الذي لم يكن له، كما يبدو، موضع في قاموس عاطفة الاستاذ الحلي الذي يكتب الشعر أيضاً. 

ولم يكتف البعثيون بذلك، فماذا تعني مصالحات شاعر كالسياب لمرتدي الخوذ الحديدية، كما يسميهم السياب في قصيدة له بعنوان ( ليلة في العراق )، إذ فصلوه من عمله، ابتداءً من 4 نيسان 1963 أي بعد أقل من شهرين من وصولهم إلى السلطة ليواجه المرض والجوع.

كتب في قصيدة (نسيم من القبر) يخاطب أمه الميّتة:

أما حملت إليك الريح عبر سكينة الليلِ 

بكاء حفيدتيك من الطوى وحفيدك الجوعان 

لقد جعنا وفي صمت حملنا الجوع والحرمانْ 

ويهتك سرّنا الأطفال ينتحبون من ويلِ 

أفي الوطن الذي آواك جوعٌ ؟ أيّما أحزانْ

تؤرق أعين الأموات 

وفي 29 تشرين الأول عام 1963 كتب بدر ( أسير القراصنة) وهي قصيدة تمتزج فيها تجربته الذاتية بالتجربة العامة امتزاجاً يشكل إدانة صارخة ضدّ ما آل إليه الوضع في بلاده التي تعاقب عليها القراصنة:

وأنت في سفينة القرصان 

عبدٌ أسير دون أصفادِ

تقبعُ في خوفٍ وإخلادِ

تصغي إلى صوت الوغى والطعان 

سال الدمُ 

اندقت رقابٌ ومال 

ربّانها العملاق 

وقام ثانٍ بعده ثم زال 

فامتدّت الأعناق 

لأيّ قرصان سيأتي سواه 

وأيّ قرصان ستعلو يداه 

حيناً على الأيدي !؟

وبسبب هذه القصائد منع ديوانه (المعبد الغريق) من دخول العراق. أما الحدث الفاجع الأخير الذي لم يره السياب، كما ذكرت، فهو تهجير عائلته من البيت في يوم التشييع.

وما أستغرب له أن كثيراً من متتبعي الوقائع والنقاد لا يشيرون إلى ذلك فلا تستوقفهم غير علاقته الغابرة مع الشيوعيين.

هل كان الشاعر الذي وحّد الجميع في شعره خصم الجميع في حياته؟ أم كان الجميع خصم الشاعر، رغم مصالحاته العديدة؟ ومن أين لهذا الضعيف كلّ تلك القدرة على إخافة الأقوياء؟ في مجتمع صغير شهد من البربرية ما لم تشهده أمم بحجم الأفلاك.

هل كان السياب النذير الذي أعلن، من زمن، افتراق الضدّين : السياسيّ والشاعر؟

ولكن ! وها أنا أقترب من مصالحاته الكبرى أراه وقد استبدل الوجود بالعالم، الكلّ بالجزء، والحياة بالموت، والموت بالحياة، ، مستعيداً دورة الفصول إلى طفولة خالدة تقترب كالمرآة، ليطلّ منها وجه الطفل، وهو يداعب الموت في لعبة لاهية، من ظلالٍ وهواء في بقعة نائية كالموت.. بلا بشرٍ .. غير عزيف بعيد، وسفينة خالية لطفل خالد هو : بدر شاكر السياب.

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان