خضير الزيدي
تبدو قدرة استخدام الشعر،عاملا مهما في توظيف ورصد المحتوى الإنساني المؤلم، ولعل قراءة الثيمة التي يعكسها متن المجموعة الشعرية للشاعر عبد الزهرة زكي، الموسومة بـ(شريط صامت) تلفت انتباهنا إلى واحدة من لحظات التصعيد الاجتماعي والسياسي في مختلف جوانب حياتنا العامة، وتبدو مهمة النص الشعري عنده أكثر تأسيسا من خطاب شعري سابق (ربما في الشعر يجد ضالته).
ولهذا بدت نصوصه القصيرة مستندة إلى حكايات اجتماعية ذات مأساة إنسانية.
تمت صياغتها من مقترب حكائي بدت فيه وسائل الشفرات وكأنها توسع من خطابها السيميائي لما تذهب إليه من مدلولات، وقد مثلت غالبية نصوص المجموعة استنطاقا لعلامات قائمة على (القتل /الخطف/ الاغتصاب) ودور الشعر فيها هو إيصال رسالة تؤدي تعبيرا حيا يحقق قدرته في التطابق بين الشعر كمتلمس إحساسي وبين الوصف الواقعي لحالات تواجه المرء. فاعلية وتوظيف الشعر في مسائل الحزن والألم المعاش يوميا، تحتاج إلى منظومة من قوة الكلمة أكثر إيغالا في النفس، وقد مهد لنا الشاعر من خلال عنونة المجموعة مسبقا، ووصف لنا تلك الصورة السوداوية..المهم عندنا هل نجح خطاب الشعر في بث شفراته من خلال رسالة النص، أم الأمر يبدو انعكاسا نفسيا حادا من قبل الشاعر؟.
يعتمد الأمر على الكثير من الجوانب أولها جانب المصداقية التي تقف عند مفردات النص الشعري، وثانيها محاولة تلمس الشعر وهو يدفع بنا باتجاه التعبير الواقعي بمعنى أن علاقة عرض ووصف الجانب المأساوي في مثل هذه النصوص يحصر مضمون النص في وجود فكرة مسبقة سلفا، انتهت إلى حقائق ثابتة هي (الرحيل/ الموت) وهذه الثيمة هي الاشتغال الواسع التي تنازعت عليه جميع نصوص المجموعة لنهاية مسودته السردية، ولكن بلغة (النص الشعري).
في الواقع تدفع حقيقة استعمال مثل هكذا لغة إلى تفقد الجانب النفسي عند الشاعر من جهة ومدى تأثير المفردة الشعرية من جهة ثانية. ونحن على يقين بأن شاعرنا عبد الزهرة زكي اختلف كثيرا هذه المرة عن منجزه السابق، الذي وجدناه في “اليد تكتشف” و”كتاب الفردوس” إذ كانت اللغة هناك أكثر غموضا وهلامية، ولم يكن للشفرات فيها إلا الرصيد القليل، بحيث ظلت اللغة تحافظ على السياقات المشتركة بين جيل الثمانينيات الذي عرف بغموض نصوص غالبيتهم، وكان كتاب “اليد تكتشف” واحدا من بين تلك المجاميع، على العكس تماما مما نقرؤه الآن في( شريط صامت) لعبته صورية / سردية/ في تنظيم وبناء شعري أكثر حساسية وتأثيرا في الوجدان.
ونجاح هذه الكتابة يكمن في الأبعاد الرسالية التي يبثها على مدار تعدد قراءات النص الواحد، فالأسلوب إخباري بحت مثلت نظامه السيميائي الوحدات المتشابكة في قيم ومميزات موضوعة الشعر.
تنبهنا العنونة الفرعية إلى أنها نصوص عن السيارات والرصاص والدم وهذه كلها مشتركات سوداوية ظلت قائمة ليومنا هذا نتيجة ردود (أفعال صبيانية وعقلية تخلف مدمرة) كانت مقاربة الشاعر من ثيمتها محاولة لكشف مغاليقها وتفسيرها.
والملفت للنظر أن مظاهر العاطفة في سماتها الدلالية شملت جميع طبقات المجموعة الشعرية بحيث غدا تجسيد دلالة الغياب فيها محتوى ظاهريا أرى في شروط استلهامه تنشأ مقاربات فاعلة صنعت بمهارة وتصور ذهني بحت، فالوظيفة التي تؤديها الكلمة في (شريط صامت) تنم عن ظاهرة وتطبيق، وحسنا صنع الشاعر عندما عنون المجموعة (بشريط) والجميع يعي ما معنى المفردة.
امتلاك وظيفة الشريط هو التصوير واللغة الشعرية في المتن من هذه الناحية هي الأنظمة الاستدلالية الصورية، بينما البصرية فيها يتمثلها الحسي والتعبيري لصياغة مدلولات لها معايير واقعية. وأحسب هنا بأن الوصف والخصوصية في غاية بث رسالة النص تتفرع إلى مكونات عديدة أعدها لنا الشاعر، من خلال العنونة الفرعية (السيارة/ الرصاص/ الدم) كعناصر خاطفة لاتضاح الصورة الحية لترسخ لأعيننا صورة (الموت) وبهذا التكوين تكون مركبات النص وعناصر الارتباط العضوي للمسميات الفرعية قد أسهمت في صناعة ( مشهد مرئي بلغة شعرية) ونحن أمام انحياز قيمة الشعر إلى تعابير (السينما) هذه كلها إشارات تعريفية حددها التأثير والمؤثر، فيما تبدو الألفاظ الشعرية أكثر عاطفية، وهي تسرد وقائع الألم المشتركة لنا.
إرادة الشاعر في هذه المجموعة فرضت عليه أن لا يقبع إحساسه بالحوادث تحت جدار النسيان، فتحركه نحو اتجاه بناء الصورة وإلمامه بالمشهد اليومي فرضا عليه الاحتجاج، فجاءت مجموعة “شريط صامت” دليلا حيا ووثيقة مؤلمة لما يدور حولنا وبيننا .ومهمة نصوصه الآن هي التوثيق الشعري، وإن كان ببناء صوري يقترب من (السيناريو).
اللمسة الأعمق إيغالا وأهمية تكمن في تحوير الشعر إلى صورة وقائع ظاهرة. فتعمل المخيلة مثل هذا التلاعب لتصل لحقيقة انسجام هي مزيج من مفردة لها مفتاحها الرسالي وصورة لها منظومتها التعبيرية، ويبقى عامل تنظيم الانسجام وتحقيق الغاية ،هو المقصد الحي لاستثمار طاقة الشعر والذهاب به لمعطيات التمييز الدلالي بعيدا عن الغموض ووصف الأشياء الواقعية بغير حقيقتها.









