ثقافية

مـشــــــــرحـــة بـغــــــــــــداد

ــ رواية  الجزء الأول ــ

الذبح بسكين المطبخ في البانيو

الساعة الآن قد تجاوزت منتصف الليل. مشرحة بغداد قد أوصدت أبوابها. ليس هناك سوى الطبيب الخفر ومساعده والحارس الخفير. المنطقة التي فيها المشرحة، والشوارع المؤدية إليها، والأزقة التي تحيطها، بل وبغداد كلها غارقة في الظلام. 

في هذه الليلة المظلمة التي اختفى من سمائها القمر، قام الحارس آدم، قبل أن يأوي إلى غرفته، بجولته الليلية، فتأكد من الأبواب المقفلة في الطابقين الأرضي والأول حيث غرف الموظفين الإداريين وبقية الأطباء والممرضين المساعدين، وتأكد من أن الطبيب الخفر والممرض المساعد قد ناما. 

الخفير آدم كان على غير عادته الليلة، فثمة هاجس خفي يدفعه لإنهاء جولته الليلية الاعتيادية، والتوجه إلى غرفته في الطابق تحت الأرضي، لمشاهدة الأقراص المدمجة التي اشتراها نهارا من الباب الشرقي وسط بغداد.

الطابق تحت الأرضي ليس طابقا للاستخدام الوظيفي والإداري، فهو يتألف من ممرات طويلة متقاطعة وفارغة. في أحد هذه الممرات توجد غرفة الحارس آدم، وفي الممر نفسه تقع قاعة التشريح، القاعة الكبيرة التي تحفظ فيها الجثث الجديدة من أجل تشريحها. في الممرات الأخرى توجد الثلاجات التي تحفظ فيها الجثث المجهولة، أو التي تلزم الجهات الحكومية لأغراض التحقيق.

نهار هذا اليوم أقنعه البائع الذي يزوده بالأفلام الجديدة، الأفلام الأجنبية، والأفلام الجنسية، أن يشاهد فيلما تسجيليا عن عملية ذبح حقيقية وجد في بيت نائب أثر مداهمة قوات الشرطة له . الفيلم المصور تم تسريبه مستنسخا ً على قرص (دي في دي) من قبل بعض الشخصيات الحكومية المتصارعة. 

الحارس الخفير آدم يشعر بقلق خفي. لأول مرة يشعر بأنه يريد أن يشاهد فيلم الذبح قبل الفيلم الجنسي. كان كلّما ذهب لشراء أفلام جديدة، والتي غالبا ما تكون أفلاما ًهندية، تاريخية، أو أفلام رعب، يزوده البائع بما لديه من أفلام جنسية. وعندما يخلو إلى نفسه فأنه يبدأ بالأفلام الجنسية، وبعد ذلك يشاهد أيا ً من الأفلام الجديدة. 

لا يدري لماذا هو قلق الليلة، ولماذا يريد مشاهدة هذا القرص التسجيلي الواقعي قبل الفيلم الجنسي؟ هناك رغبة داخلية مشبوبة بخوف خفي وأسئلة غامضة لم تتضح في أعماقه تدفعه لمشاهدة ذلك القرص. 

عندما هبط الحارس آدم إلى الطابق تحت الأرضي أحس برهبة وهو ينظر إلى الممرات الخالية والمتقاطعة، تذكر أول أيام عمله كحارس في المشرحة. استعجل خطوه نحو غرفته وكأن هناك من يطارده، وأرتبك وهو يفتح باب غرفته بالمفتاح. 

دخل الحارس آدم غرفته وضغط على زر التيار الكهربائي. اتضحت ملامح الغرفة الصغيرة التي منحت له للمنام والمعيشة. جلس على الصوفة الجلدية التي يستخدمها كسرير للنوم أيضا، ثم ضغط على الريموت كونترول فأضاء جهاز تشغيل أقراص ال (دي في دي) كما بدأت الشاشة الزرقاء تشير إلى اختيار البث التلفزيوني أو القرص المدمج، فضغط آدم باتجاه القرص المدمج. 

كانت أصابعه ترتعش، وهو يضع القرص المدمج الذي يسجل وقائع عملية ذبح حقيقية في موضعه من جهاز التشغيل. ضغط على إشارة السهم التي تعني التشغيل فبدأت الصورة تظهر على الشاشة.

كان التصوير قد تم بكاميرا فيديو عادية ومن قبل شخص غير متخصص، فهي تتحرك كثيرا وتتنقل بشكل عشوائي في المكان، لكن برغم ذلك فالأمر برمته ليس فيلما سينمائيا وإنما توثيق لعملية ذبح إنسان.

في الصورة يبدو وجه فتي في الثامنة عشرة أو أكثر بقليل. الوجه مذعور والنظرات قلـِقـة، لكن الفتى يحاول أن يبدو طبيعيا. ظهر على الشاشة أربعة أشخاص إلى جانب المصور، اثنان يجلسان على جهة، بينما في الجهة الأخرى ثالث يقف وفي يده سكين مطبخ كبيرة، وخلفه شاب آخر. الجميع لا يتجاوزون الثلاثين من العمر باستثناء الفتى المذعور.

الفتى المذعور يجلس في وسط الغرفة بملابسه الرثة وملامحه البسيطة والتي تشير إلى أنه ينتمي للمناطق الشعبية الفقيرة في العاصمة بغداد. الآخرون كانوا يرتدون بنطلونات جينز وفانيلات خفيفة متفاوتة الألوان.

• ما اسمك.

• مهدي

• كم عمرك؟

• لا أعرف كم عمري

تتعالى ضحكاتهم

• كيف لا تعرف كم عمرك؟

• والله العظيم لا أعرف كم هو عمري

• أمن المعقول أن لا تعرف كم هو عمرك؟

فقال الفتى بنبرة منكسرة وكأنه يتوسل أن يصدقوه

• والله العظيم، والأنبياء، لا أعرف كم هو عمري بالضبط

• زين، في أي صف أنت؟

• أنا تركت المدرسة حينما كنت في الصف الخامس الابتدائي

كان الفتى مطيعا ويحاول الإجابة بكل عفوية عسى أن يكسب ثقتهم  كي يعفوا عنه ويطلقوا سراحه.

• يعني أنت تقرأ وتكتب؟

• أقرأ

• وماذا تفعل في منطقتنا؟

• أنا كاسب، أجمع بقايا أكياس الأسمنت من أماكن البناء لتصنع أمي منها أكياسا صغيرة لبائعي الخضروات، ونعيش من بيعها 

• أنت تكذب؟

صرخ فيه أحد الشبان الجالسين، وشتمه آخر:

• ابن النعال .. تكذب علينا؟ أنت جئت متجسسا علينا.

• والله أنا لا أكذب.. ولا أعرف شيئا عما تتحدث عنه.

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان