ثقافية

المثقفون والمجتمع في دكتاتوريات العالم الثالث

عادل عبد الله  / ( الجزء الأول  )

 

1 – اصطفاء المواطن

بمقدار كبير من الوضوح والمباشرة، يخبرنا الواقع التاريخي لمجتمعات العالم الثالث ، بأن ثمة خلافا من نوع ما ، بين المجتمع والسلطة السياسية التي تحكمه ، قد يصل في حده الأعلى إلى مرتبة التناقض والعداء المعلن المعبّر عنه باستخدام العنف والقوة وسيلة على طريق إسقاط الشعب للسلطة. أو قد يبقى هذا الخلاف عند حدوده الدنيا كامنا ، مضمرا في النفوس ، معبرا عنه بالاستنكار والكراهية المضمرة، مخافة العواقب التي تتوعد السلطة بها كل من تسوّغ له جرأته من عناصر المجتمع ، تجاوز حد الإضمار والكمون هذا .

إن تمثيل كل من الطرفين لموقفه هذا ، ووجوده المتكرر الدائم في الموقع نفسه ، وإصرار الواقع التاريخي على عرض هذين الطرفين لنا بذات هذه الصورة التي يحتفظ خلالها كل من الطرفين بعدائه للآخر ، لا بغيرها من الصور الطيبة الممكنة، ليسمح لنا بالقول- كتعريف للسلطة، عند حدود هذه العلاقة – بأنها نوع طبقي ، فئة سياسية، نظام- سستم- بمبنى أخلاقي وذهني خاص ، يقوم بجوهره على معارضة مصالح المجتمع الذي تحكمه ، من جهة، والعمل الموجّه على تأمين مصالحها، من جهة أخرى، بحيث يمكن القول ، بأن ديمومة ما، لن تكتب لهذه السلطة، إلا عبر التزامها بالعمل على وفق هذه الطريقة، أي إلا إذا تمكنت من احتواء ممكنات هذا المجتمع ومصادرة مصالحه وإخضاعه كليا لإرادتها .

الأمر الذي يعني، أن السلطة تستمد وجودها وقوتها من هذا النوع المحدد العملي الذي تتعامل به مع المجتمع وتمارسه إزاءه ، وليس من نوع مغاير مختلف عنه ، كأن يقوم هذا التعامل على مبدأ العدالة والعمل الواضح على تامين مصالح المجتمع الذي تحكمه، وهي الحالة المفترضة التي لم يخبرنا الواقع التاريخي صراحة عن حدوثها . غير أن طرفي العلاقة النقيضة هذه، غير منفصلين بجدار حديدي لا يمكّن احدهما من العبور أو التسلل إلى الطرف الآخر، إذ ثمة دائما ، حركة عبور بين العناصر المكونة لأحدى الطبقتين نحو الأخرى، ثمة انتقال دائم وتحول وحوار بينهما، خفي حينا ومعلن أحيانا ، غير انه منجز من ناحية نتائجه وفي الأحوال كلها، على وفق الشروط التي تحددها السلطة وتمنح التذكرة بموجبها . في نموذج التحول الأول، النموذج الذي غالبا ما يكون المثقفون إبطاله ، يتم انتقال المواطن الذي ترغب السلطة فيه وتصطفيه للعمل تحت خدمتها، على وفق مبدأ تعهده وقطعه العهد على نفسه بضرورة تخليه عن مصالح الطرف الذي غادره _ أي المجتمع _ من اجل توفير ورعاية مصالح الطرف الذي سيذهب إليه ، والذي ينبغي أن يكرس هذا العنصر المصطفى كل إمكاناته لصالح طرف السلطة التي انتقل لها، من اجل ضمان بقاء مصالحه الشخصية في الوقت ذاته محفوظة ومصانة ومتدفقة . من هنا فلا يمكن لنا النظر إلى حركة العبور والانتقال هذه بوصفها تحولا مكانيا خارجيا حياديا، تمكّن المواطن خلاله من العبور من هذه الجهة المحددة إلى تلك، بحيث يتمكن هذا المواطن خلاله من الاحتفاظ بكل خصائصه الأخلاقية والذهنية والسياسية، حتى انه ليستطيع أن يعبّر عن كل هذه المواقف التي كان عليها بحرية وقناعة داخل حدود المنظومة الفكرية والسياسية والأخلاقية التي تسود الطبقة الجديدة التي انتقل إليها، بل هو انتقال نوعي عميق، حادث على مستوى البنى النفسية والأخلاقية والاقتصادية والسياسية للمواطن الذي جرت عملية الانتقال والتحول عليه، الأمر الذي يعني صراحة، أن عليه أن يتخلى بالضرورة عن كل ما كان يخص ماضي طبقته الفكري والسياسي، ويبدأ التفكير والحديث على وفق أبجدية الخطاب الذي تتحدث السلطة به إلى رعاياها وتأمرهم بالحديث والتفكير معها على وفقه .  اما عن نموذج التحول الثاني وأسبابه، فهو ما يتمثل حينا، بطرد السلطة ونبذها لبعض ( رعاياها) الذين عملوا لفترة ما تحت خدمتها، دونما أي اعتبار منها لطول هذه المدة أو قصرها لان فعل الإقصاء هذا إنما تحدده وتتحكم به آليات أخرى، يمكن لنا التعرف على بعضها بالقول : إن سبب لجوء السلطة لمثل هذا الإجراء ، إنما يتمثل ، بان هؤلاء المطرودين من حظيرة السلطة ، لم يثبتوا أو يقدموا من ( مواهب) وأساليب الولاء ما يكفي لاحتفاظ السلطة بهم ، أي أنهم لم يلبوا أو يوفروا من خلال المناصب التي منحتها السلطة لهم، كامل المتطلبات المناط بهم مهمة توفيرها، ولما كانت هذه المناصب والامتيازات ممنوحة لهم من اجل تأمين حاجاتها فقط، فلم تعد هناك من ضرورة للاحتفاظ بهم بعد أن فشلوا في انجاز مهمتهم محددة الملامح تلك . أو قد يتمثل سبب الإقصاء هذا، بميل قلوب بعض رعايا السلطة نحو الطرف الآخر الذي تفترض السلطة أن محبتها الخاصة وحدها كفيلة بنسخ أية محبة أخرى سابقة عليه، لذا فأن موقفا ما من احد رعاياها قد يعبـّر به عن مثل هذا الهوى للمجتمع – متمثلا ذلك بمحاولة موظف لها رفض أو تعديل إحدى قراراتها باتجاه المجتمع ولصالحه – ينبغي أن لا يحدث أمامها أو تصبح على دراية به أبدا، لان سلوكا كهذا إزاءها قد يتفشى أو يصبح ظاهرة بإمكان الآخرين اعتمادها للحوار معها ، الأمر الذي يسفر في النهاية وبطريقة حتمية إلى إضعافها ، من خلال حضور قوة أخرى مناوئة لها في رحم المكان المعد فقط لمصادرة مصالح هذه القوة المناوئة .

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان