برهان الشاوي / برلين / الجزء الثالث في هذه الأثناء ضغط الإثنان على الفتى المذعور باتجاه حافة الحوض، بينما كان هو يبدي مقاومة لاإرادية. في تلك اللحظة أمسك حامل السكين بخصلة شعر أمامية ساحبا رأس الفتى المذعور إلى الأعلى بقوة، بينما مر نصل سكينه الكبيرة على عنقه، ذابحا إياه. نفر الدم بقوة ملوثا الحائط.
كان الفتى الذبيح يرفس برجليه ويهز كتفيه المقبوض عليهما بقوة وثبات، بينما الدم ينفر من عنقه بغزارة ليملأ الحوض. لم يكتف حامل السكين بذلك، إذ أخذ يقطع العنق بعمق.
كان الفتى الذبيح يحرك كتفيه، لكن جذوة الحياة أخذت تهمد في جسده. كان الدم ينفر منه، بينما نقلت الكاميرا صوت تنفسه عبر حنجرته المقطوعة مثل تنفس البقرة الذبيحة وهي تودع آخر نفس وتتذوق آخر طعم للهواء.
بعد أن أطلق الذبيح آخر أنفاسه تركه الشابان منحنيا بجذعه الأعلى على حافة الحوض، بينما تدلت رأسه المقطوعة مرتبطة بشيء قليل من الجلد ببقية جسده.
أخذت الكاميرا تتنقل بشكل عشوائي حيث صورت حامل السكين وهو يمسح نصل سكينه بقميص الضحية، وهو يبتسم، كما سجلت أصوات مرحة غير واضحة. انتقلت الكاميرا لتصوير سقف الغرفة ثم انقطع البث.
شعر الحارس آدم بالرعب. أحس ببلل بين فخذيه، فعرف أنه قد بلل سرواله قليلا دون أن يدري. نهض مرعوبا وبشكل لا إرادي فأغلق الباب بالمفتاح، ثم عاد جالسا على الصوفة الجلدية ساكنا كالتمثال.
فكر لثوان باللحظة التي مس نصل السكين عنق الضحية، والثواني الأولى من عملية الذبح حينما شق النصل عنق الفتى وشعور الفتى في تلك اللحظات، لاسيما وأنه لم يمت مباشرة، وإنما استغرق موته دقائق إلى أن نزف دمه.
صحيح أنه يعمل في مشرحة، وأنه رأى عشرات الجثث المشوهة. جثث مقطوعة الرؤوس. جثث مقطوعة الأطراف. جثث بعيون فـُقأت أو قلعت من محاجرها. جثث بجماجم مهشمة بالمطارق أو مثقوبة الجماجم بأزاميل حادة. جثث مقطوعة اللسان. جثث مقطوعة الآذان. جثث محروقة. جثث تم تعذيبها ومن ثم أعدمت. جثث تالفة قد انتشلت من الأنهار. بقايا أجساد بشرية لملمت من أماكن انفجار السيارات المفخخة أو الانتحاريين الإسلاميين. جثث يراها يوميا في القاعة الكبيرة، لكنه لم ير عملية قتل، بل ذبح إنسان حي قط.
لا يدري كم من الوقت مر عليه وهو في جلسته الجامدة تلك. شعر برغبة في التكور على نفسه. استلقى على الصوفة الجلدية ماداً اللحاف الذي كان عند طرفها على جسده، لكنه ترك المصباح مضاءً. كان يشعر بالبرد. غطى رأسه باللحاف وأجبر نفسه على النوم. كان يرتجف لا إراديا. بقي للحظات متمددا على ذلك الوضع، لكنه قام فجأة فأطفأ النور الكهربائي وعاد إلى الصوفة مستلقيا ً بعد أن غطى جسده ورأسه باللحاف ثانية.
تقلب في نومه كثيرا ً. استيقظ أكثر من مرة. فتح عينيه وحدق إلى سقف الغرفة المظلمة. استذكر لحظة الذبح وما تلاها فقط. حاول العودة إلى النوم. ظل فترة لا يفكر في شيء سوى النوم. لا يدري كيف سقط في هاوية النوم
2
الآخـــــــــرون
على الرغم من أن الحارس آدم يبلغ الثانية والعشرين من العمر، إلا أنه يبدو للناظر أكبر من ذلك بسنوات، وبالرغم من أن ملامحه عادية إلا أن شخصيته كانت ملفتة للنظر، لاسيما العينين الواسعتين والنظرة المتقدة. كان شاحب الوجه، ناحل الجسد، كث الشعر، طويل القامة. لم يكن يهتم بمظهره الخارجي. يلبسُ دائما ً بنطلونا ً أسودَ وقميصا ً أحمرَ، يرتدي فوقهما قميصا طويلا أزرق اللون يصل إلى ركبتيه ليميزه بأنه ينتسب إلى المكان الذي يعمل ويسكن فيه، لكنه برغم بساطة هندامه يبدو أنيقا.
كانت تنبعث منه دائما رائحة كريهة، نتنة، رائحة الجثث المتفسخة، ورائحة الأدوية المعقمة، التي ربما علقت بثيابه من خلال عمله في المشرحة التي يقضي فيها معظم وقته، ومن خلال استخدامه المعقمات باستمرار. بالرغم من أن هذه الرائحة لم تلتصق به إلا منذ أشهر.
صحيح أن رائحة المواد المعقمة كانت تفوح منه منذ بداية عمله في المشرحة، لكن رائحة الجثث المتفسخة لم تلتصق به إلا منذ أشهر ستة تقريبا. ضايقه الأمر في البداية، لكنه نسي ذلك، وألفه، لأن كل العاملين في المشرحة تنبعث منهم هذه الرائحة، رائحة الجثث المتفسخة والمواد المعقمة.
كان يبدو دائماًً مشغول الذهن، صموتا ً، لا يتحدث مع أحد قط، إلا إذا سُئل، وحتى حينها كان يجيب باقتضاب شديد، بل كان يبدو وكأن الإجابة تعذبه أو أن السائل يضطهده بالسؤال، مما يدفع السائل إلى الشعور بالشفقة وربما بالذنب.
لم يواصل آدم دراسته، فقد انقطع عن الدراسة وهو في السنة الأخيرة من المرحلة الثانوية، بعد أن توفي والده وبقي وحيدا ً مع أمه. أضطر للتنقل بين حرف ومهن مختلفة، عاملا في البناء، عاملا في مطعم، ساقيا في بار، حارسا في بناية، وأخيرا وجد قريب لأبيه له وظيفة حارس المشرحة، التي كان هو حارسا ً لها، لكنه آثر الإحالة إلى التقاعد، إذ توسط لدى إدارة المشرحة لقبول آدم مكانه لاسيما وهو متعلم، وشاب في أوج قوته الجسدية، فوافقوا على تعينه حارساً للمشرحة بدلا ً عنه.
ليس لدى الحارس آدم أي أخوة أو أخوات، فهو وحيد أمه التي هي بدورها وحيدة وكأنها شجرة في صحراء، مقطوعة وبلا جذور. وحتى هذا الرجل الذي وجد له هذه الوظيفة، فأنه يقرب لأبيه من بعيد. فأبوه أيضا كان بلا أخوة أو أخوات، وكان وحيد والديه أيضا، اللذان كانا بدورهما وحيدين وبلا جذور. لقد كان الحارس آدم ورقة مهملة سقطت من شجرة مجهولة، بلا جذور.
كان آدم يقرأ بنهم ، يقرأ كل شيء، لكنه يتعمق في قراءة الكتب الفلسفية، والشعر المترجم، والكتب التي تهتم بعلم الجمال،وتاريخ الحضارات. تعمقت هذه القراءات بعد أن انقطع عن الدراسة، وكأنه أراد بذلك أن يعوض عن عدم إكماله للدراسة. بل أنه تعلم اللغة الانكليزية، وأجاد القراءة فيها، وكأنه بذلك أراد أن يعيد صياغة نفسه. لكن الدروب كلها كانت مسدودة في وجهه، إلا درب المشرحة التي فتحت له بوابتها الحديدية على آخرها.









