ثقافية

مـشــــــــرحـــة بـغــــــــــــداد

برهان الشاوي / برلين  /  الجزء الرابع

كل شهر، وفي نهار أول جمعة بعد استلام الراتب، كان يذهب إلى شارع المتنبي ليشتري الروايات والكتب الفلسفية والدينية والمجلات الفنية المتخصصة بمتابعة المشاهير وخاصة الممثلين والممثلات، وهذا ما منحه لقب (الفيلسوف) بين موظفي وعمال المشرحة سواء من باب السخرية أو الاحترام. كان معظم الأطباء أثناء مناوبتهم الليلية في المشرحة يستعيرون منه المجلات الفنية طردا للضجر لذا كانوا يجاملونه أيضا ويمزحون معه. وعلى الرغم من أنه انقطع عن الذهاب إلى شارع المتنبي وساحة التحرير منذ أشهر، فأن غرفته مليئة بالكتب والمجلات وأقراص الأفلام المدمجة. كان يحس بعزلة داخلية قوية وبشعور حاد بأنه وحيد ولا أحد يفهمه. يؤمن بأن عالم الإنسان الداخلي هو المهم، فهو الجوهر، وكل ما عدا ذلك ليس إلا القشور. العلاقات الاجتماعية وعلاقات العمل بل وحتى العلاقة الزوجية ليست إلا القشرة التي تحيط بالوجود الإنساني، فالإنسان، كما كان يعتقد، وحيد في كل الأحوال، وإن إمكانية التواصل البشري هي محاولة يائسة، فالإنسان كائن مرعوب، وحيد، وأن المجتمع ليس إلا الدليل على محاولة الإنسان الفرد للهروب من الوحدة.  كان متقوقعا ًعلى ذاته. يخاف الناس في أعماقه. يخاف كل الموظفين في المشرحة. يخاف الأطباء والإداريين. يخاف الجنود الأجانب، بالرغم من أنهم أكثر تهذيبا من بعض الجنود العراقيين الذين يمر بهم عند نقاط السيطرة التي يعبر منها أحيانا.  كان يخاف نظرات السابلة في الشوارع. يحس نفسه أحيانا أنه قريب من القنفذ، الذي يتقوقع على ذاته.  الإنسان الوحيد الذي لا يخاف منه، من بين الأحياء، هو بائع الأقراص المدمجة الذي يشتري منه الأفلام. أما الموتى، جثث الموتى، فهم الأصدقاء الذين لا يخافهم بل ويتعاطف معه، ويحترمهم لأنهم عبروا حاجز الحياة ودخلوا في المنطقة الأخرى حيث لا شعور بالألم. بل كان يحس بالإشفاق على أهلهم الذين يراهم يتوافدون على المشرحة عند وصول جثة ما متباكين أو نائحين. يشفق عليهم لأنهم لا يدركون بأن أحبتهم تجاوزوا المعاناة والألم في هذه الدنيا، ويشفق عليهم أيضا لأنه يرى عمق الألم والفقدان الذي يعانيه هؤلاء الأهل. أحيانا، بعد منتصف الليل كان ينسل من غرفته، كالقنفذ، ليدخل إلى قاعة التشريح فيتأمل الجثث بلا خوف أو رهبة، مهما كانت بشاعة المنظر، من حيث أن الكثير من الجثث تأتي مشوهة أو ناقصة. قليلة جدا تلك الجثث التي تبدو كاملة لأن أصحابها أما ماتوا في المستشفى أو لأسباب صحية في بيوتهم. كانت تتشكل لديه علاقات خاصة مع بعض الجثث. فحينما يأتون بجثة ما ويشعر بإحساس التعاطف معها فأنه يتتبع وضعها لحين إخراجها من المشرحة، بل ويعتني بها أيضا، حيث يذهب إلى قاعة المشرحة أو قاعة الثلاجات ليراها أو ليغطيها أو يعدل من وضعها. كان يشعر بالحب تجاه بعض جثث النساء الشابات. مرة أحب جثة فتاة قروية في الثامنة عشرة من العمر، ماتت نتيجة تلقيها طعنة في القلب من أخيها الذي يصغرها بسنتين في العمر، لأن أهلها شكوا بحملها، فقد انقطعت عنها الدورة الشهرية لثلاثة أشهر متتالية وانتفخت بطنها قليلا، فشك الأهل فيها، بالرغم من أنها أكدت لهم بأنها لم تقترب من أي شخص. طبعا، فيما بعد،  أكتشف الأطباء الشرعيون بأنها فعلا عذراء، وانتفاخ بطنها ليس ناتجا عن حمل وإنما لاضطرابات في الرحم والتهاب في المبيضين سبب تجمع دماء نزول العادة داخلها مما أدى لانتفاخ بطنها. عشق الحارس آدم تلك الفتاة، أو جثمان الفتاة، عشقا قويا مليئا بالحنان والشفقة، عشقا حقيقيا كما كان يقول لنفسه، لأنه كان يعتقد بأن الناس الأحياء حينما يحبون بعضهم بعضا فأنهم بذلك يحبون ذاتهم في الآخر، وينتظرون المتعة منه ومعه، بينما حبه لجثمان الفتاة الميتة هو حب حقيقي لأنه لا ينتظر منها أي شيء، فالحب الحقيقي هو الحب المليء بالتعاطف والشفقة قبل الرغبات وانتظار المتع والمبالغة في تقدير الذات من خلال الآخر.  في البداية رأى بعض أهلها، أمها وأختها ورجلا ً ملثما ً آخر جاء معهم، شعر برقة الكائن المغطى بإزار صوفي أحمر من خلال صغر حجم الجثة. لم يكن يعرف أنها جثة أنثى إلا عندما صاح فيه مساعد الطبيب بأن يحمل السرير المتحرك لنقل الجثمان، ووضعوا الجثة عليها أنكشف الإزار عن وجهها وعن خصلاتها الذهبية. فأصيب بالذهول. كان أهل الفتاة قد جاءوا بجثمانها عصرا قبل نهاية الدوام بقليل. وبالتالي كان عليهم انتظار الأطباء إلى اليوم التالي كي يقوموا بتشريح الجثمان وتقديم التقرير الطبي حول سبب الوفاة، لذا فقد أخذ الجثة إلى قاعة التشريح يرافقه مساعد الطبيب، وهناك تركا الجثة على النقالة وخرجا، لكنه ظل مسكونا برغبة عارمة في أن يذهب لرؤية الفتاة، ولتأمل وجهها الجميل والبريء والحزين الذي رآه حين نقلا الجثة من السيارة إلى السرير النقال.  حين صعد إلى الطابق الأرضي وجد أن أم الفتاة كانت تبكي بحرقة بينما كان المرأة أخرى تحاول أن تهون عليها بالرغم من أنها كانت تبكي أيضا، بينما ظل الرجل الملثم حزينا وغاضبا في نفس الوقت. كان واضحا أنهم قد علموا من إدارة المشرحة بأن عليهم العودة في اليوم التالي لأن الدوام قد انتهى ولا يوجد طبيب أصلا. عاد الحارس آدم إلى غرفته في الطابق الأسفل حيث قاعة الجثث. عمل لنفسه الشاي، ولكنه لم يشرب منه، لا يدري لماذا، فمنذ أشهر انقطعت رغبته بالأكل والشرب، فكان يعد الطعام لكنه لا يأكل منه شيئا، ويعد الشاي ولا يشرب. خرج من غرفته. اتجه إلى قاعة الجثث. دخل مقترباً من جثة الفتاة الممددة على النقالة. أزاح الغطاء عن وجهها وظل واقفا ً يتأمله.  راودته حينها مشاعر متضاربة. كان وجه الفتاة يبدو وكأنها نائمة. ثم ببطء أزاح الغطاء عن كامل جسدها، فرأى جرحا بليغا قي صدرها ناحية القلب، وشيئا من الانتفاخ أسفل بطنها وكأنها حامل، بينما انزاح ثوبها ملتفا إلى الأعلى كاشفا عن فخذيها الملساوين المتناسقتين. ظل للحظات يتأمل جسدها ثم أعاد الغطاء عليه. غطى وجهها أيضا، لكنه حينما هم بالخروج وقف فجأة ثم رجع ليرفع الغطاء عن وجهها فقط كاشفا إياه لسقف الغرفة.

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان