جوزيف الحاج
يمسح الأطلال والأماكن المقدّسة، يعيد إليها قوتها وجمالها بالكتابة الضوئية. يعرض فيرانته فيرانتي (Ferrante Ferranti) عمله اليوم في العاصمة الفرنسية.
لقراءة مقاربته الجمالية ومسيرته الذاتية بشاعرية، يحيل إلى نصّ دومينيك فرنانديز عن المعرض: “مولود في الجزائر(1960) من أب صقلي وأم سردينية، إبن المتوسط، كرّس حياته باكراً لأسرار الشمس والحجر. لغة تربط الضوء بالظل، شهوة الجنوب بعنف النظرة، العمارة وأطلالها. معماريون كبار ساعدوه في بحثه، ومصورون وسينمائيون: لوسيان هيرفيه، هربرت ليست وأندريه تاركوفسكي. بعدما درس مناهج هؤلاء، اكتشف عصر الباروك عبر إيطاليا وفيض تراثها. ملذّات الرخام الأكثر حياة وإثارة من الجسد. وحشية شاعرية ميّزت نظرته ورسّخت فنّه وختمت تعليمه. ثم كانت بداية أسفاره أو زمن الانحرافات الساحرة، اكتشاف أوروبا الشرقية، الشرق الأوسط، أميركا اللاتينية، اللقاءات الغريبة، اللحظات المباركة مباغتة بعفوية، ولدٌ وطائرته الورقية تحت المطر، حصان شارد وسط أنقاض قرية مهدّمة، مداعبة شعاع من نور لعتمة معبد، جندي يغفو في قطار سيبيري… كل مسرح الجمال والزمن الفاني هذا قاداه إلى طرق المقدّس، إلى جبل أتوس، ومسيرات الآلام وصولاً إلى العالم الجديد، زائراً أماكن الحج، مكتشفاً أماكن عبادة مخفية في جوف الأرض، متسلقاً أدراج الهياكل المشادة على القمم، مشبعاً حشريته وحماسته أينما حلّ وحيثما تجري احتفاليات تجمع الهند بالبرازيل وأثيوبيا وأصفهان والقدس في عيد واحد يبهر العين والنفس”.
أسفاره عبر الأزمنة للقاء أديان وطقوس العالم أوصلاه إلى قمة كويا اليابانية، حيث يقع ضريح أول مبشّر للبوذية في اليابان. يحلم بفيتنام. معجب بالأدب الياباني القديم وبالسينما فيها.
“أؤلف كل صورة واعياً للفعل الفوتوغرافي، لكنني لا أستطيع الكتابة بالضوء من دون الظل. إنه حبر النظرات وعلامات وقف الشرود المهتدية بالشمس. الضوء ينحت فضاءات المدن القديمة والواحات وباحات المساجد وانعكاسات الجداول. الظل يقطع، مع توالي الفصول، الأشعة المنحوتة في أحجار أبو سنبل، والمعابد العابقة بالبخور. إنه يرسم شعلة الشموع المرتجفة أيام الأعياد”، يقول فيرانتي.
تعلّم التأطير من فن الرسم. أنهى دراسة الهندسة المعمارية طامحاً إلى العمل في المسرح. تناول في أطروحته “دور مهندسي الباروك في المسرح، وتأثيرات المنظور على الديكور الوهمي”. الصور التي تشدّه إليها، هي الأكثر لغزاً. “إنها تشدّد، في زمن الافتراضي، على الحدود بين المعقول والإصطناعي، بين المرئي واللامرئي”، كما يقول.
لا جذور له ولا بيتاً عائلياً “إرثي الوحيد مكون من حكايات مرتبطة بالذكريات والضوء. المتوسط في جسدي وفي دمي، هو مسرح طفولتي. بقيت مندهشاً بتكرار اللحظة الآنية. بتفكيك رموز الهندسة المعمارية: منارات إسطنبول، أبو سمبل، بانتيون روما… أصبحت مصوراً. أدركت باكراً أن الحجارة التي نعتبرها قديمة بائدة هي حية”.
في خضم الثورة الرقمية، صمد فيرانتي خوفاً من تبدّل نظرته، لكن “التقنية وسيلة لا غاية”. صوّر بالألوان وبالرقمي مثلما صوّر من قبل بتقنية الفضة. مواضيعه لا تنضب. متأثر برحلته الأثيوبية، وبشعائر الهند وصوفيي جنوب الجزائر. لا تستثني صورته الحضور الإنساني “بإمكاني الانتظار لساعات كي يمرّ إنسان فيضفي على المكان كل أبعاده ومعانيه”. يبقى البورتريه تحدياً كبيراً له: “دفع الوجه إلى تسليم جوهره وسعى إلى التمكن من التقاط كل ما فيه”. في تنوع الفنون المعاصرة يرغب في أن تترك صوره مناخاً كلاسيكياً، لكن بعيداً من أي تصنيف أو صراع بين القديم والحديث، أن تخلّف إحساساً معبراً، قائماً على الإخلاص للذات. “أبعد من كتابتي الموضوعية – مهارة التأطير وهاجس الضوء والمادة، أرى أن عملي يطمح إلى أن يكون مجازاً. الصورة لا تُخلق من الصدفة، إنها تبحث عن مكان لها كي تجد صداها”.
يخائيل بولغاكوف، شأنه شأن بطل روايته، الذي يحمل الإسم نفسه، كان طبيباً في إحدى المقاطعات قليلة السكّان. بل إنّه هو نفسه، شأن بطله أيضاً، كان قد وقع في محنة إدمان المورفين. هذا ما يقرّه مَن كان عارفاً بسيرته، ومنهم ماريان غورغ، مؤلّفة كتاب “ميخائيل بولغاكوف: المعلّم وقدره” المشار إليه في المقدّمة الموضوعة للرواية. صفحات الكتاب القليلة إذن، التي لا تتعدّى المئة، هي سرد لمحنة الكاتب، ولمحنة الطبيب أيضاً مع إدمانه، وهو كان قد تناول جرعته الأولى لدى معالجته أحد الأطفال بمادّة سبّبت له، وليس للمريض، حساسية لم يقدر على إخماد أوجاعها إلا المورفين.
الرواية كتبت بصيغة اليوميّات المدوّنة على دفتر بال ممزّقة أوراقه ويعلو كلّ نبذة منها تاريخ تدوينها. بدأ التدوين في 20 كانون الثاني 1917 وانتهى فجر 13 شباط 1918، بما يعني أن ثورة 1917 الروسية حدثت في إبّان ذلك التحوّل نحو اليأس والمرض الذي انتهى بإطلاق مدوّن اليوميات النار على نفسه، للخلاص من عذاباته. لكن لا ذكر لحادثة الثورة التي غيّرت روسيا إلا عبر إشارات عابرة وسريعة، على الرغم من موقف بولغاكوف المعروف منها والذي حدا به إلى الانضمام للجيش الأبيض المعادي لجيشها.









