ثقافية

نعاس الشعر وفخامته بين ( كافافيس وبيرس )

متابعة – الحقيقة

 

يرى بورخيس أن صنعة الحلم الجميلة لدى فاقد البصر هو لمسهُ لغلاف كتابهِ الجديد.

أسحب رؤية بورخس الى مشاعر صاحب هذا الكتاب وهو لم يفقد بصيرته وتلك المشاعر اللذيذة في الأحساس بأن الكتاب بذرة أصبحت وردة في تربة روح (شاتِلها) وأنَ على الأرواح الأخرى أن تشمها وتتمتع بذلك الجهد الذي بذلهً زارعها لتكون، العطر والحرف والفكرة ودمعة القلب.

رؤية أن تنتج كتاباً هي الرؤية الأصعب في التحقيق، وأتخيل اللحظة التي كنت فيها في مدينة سمر ــ قند الاوزبكية وهي تفتح خيال البهجة للنظر الى الشرق بلونهِ الفيروزي القادم من موزائيك القباب الصغيرة للجوامع الذي غادرت حقبتها السوفيتية وتضع على قمتها مكبرات مآذن الصلاة، عندما قرأت على بوابة واحدة من تكياتها الصوفية عبارة لواحد من شاغلي الفكرة بالأختصار قوله : كن غلاف قلبي يكون كتاب الله ثوبي. رؤية المتصوف هذه حتى في محاولة البعض جرها الى الألحاد ومن ثم الى المقصلة كما اسلافه الذين ابتدأهم الحلاج وانتهى بهذا السمرقندي لينال الموت بالخازوق من حاكم المدينة المغولي الذي اسلم حين رأى سلطانه ينطق بالشهادة. وضع الاتجاه لفرحة انجاز كتاب بمسار مشاعر الانتصار يضعنا في خانة أن نكونَ مختارون من قبل (الخفي) الذي يضع لمصائرنا خرائطها ويجعلنا نحس بالغبطة لأننا لسنا كآلاخرين، وهذا ما يفسره فرويد : الصعود الى الأمكنة التي لايراها سوى صناع الأغلفة التي بلمستها قد يشعر الاعمى أن بصيرته تعود اليه. أضع هذه الرؤية وأنا أتحدث عن الريادة (عراقياً) في الجمع بين شاعرين استثنائين كانا من العلامات الفارقة في التراث الشعري للقرن العشرين، وكليهما كتبا في ذات الفترة الزمنية ولكن بمكانين مختلفين، غير أن الشرق بعطوره وغموضه ظل يلامس مكنون نتاجهما الشعري بالرغم أن الشاعرين هما من بلدين غربيين (فرنسا واليونان) غير أن اغتراب المكان ظل يلازمها، فالأول (سان جون بيرس) ولد في جزيرة غواندلوب الفرنسية أحدى المستعمرات في الجزر الاستوائية (1887 ــ 1975)، واغلب نتاجه كتبه في مدن الاغتراب ايام عمله كدبلوماسي كما في ملحمته الشهيرة (آناباز) والتي كتبها اثناء عمله في الصين. وايضا اكثر نتاجه الاخر كتبه في منفاه بعد الاحتلال النازي لفرنسا، وعاش منفياً في الولايات المتحدة الامريكية ليعمل في مكتبة الكونغرس والثاني هو (كافافيس) (1863 ــ 1933) كل نتاجه وحتى موته كان في أسكندرية مصر.   والثاني هو ما يظهر هنا في تعريف الموسوعة العالمية للشعر : هو واحد من أعظم شعراء اليونان المعاصرين، وهو مصري يوناني. غير نمطي، انتقد المسيحية والوطنية الشوفينية والميول الجنسية المستقيمة. وهو يعبر في شعره عن التلاقي المشترك لعالمين: اليونان الكلاسيكية، والشرق الأوسط القديم، وتأسيس العالم  الهلسنتي، والأدب السكندري الذي كان مهاداً خصباً لكل من الأرثوذكسية والإسلام، والسبل التي تدفع بشعوب المنطقة – على اختلاف أساليبها – نحو الكمال الإنساني..ونعتقد أن الجمع بين هذين الشاعرين المهمين وفي العراق هو (ريادة) علي أن أفتخر فيها لأني أرى من الضرورة ان يطلع المثقف العراقي (القارئ) والمبدع على هذين الظاهرتين الشعريتين اللتين كان لهما التأثير القوي على التفكير الثقافي والنخبوي لدى شريحة كبيرة من متذوقي الشعر، ونتاج جهدي كان كتاب (سان جون بيرس وكافافيس)  القصيدة اللذة والمدائح والأساطير) والذي صدر عن داري نشر، دمشقية وبغدادية، دار نشر نينوى، ودار نشر ميزوبوتاميا.

 

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان